والزيتون على الشجرة نفسها ، مع أنَّ العنب اسم جنس ، والأعناب جمع ، وكلٌّ منهما يدلّ على الكثرة ، إلّا أنَّ استعمال الأعناب هنا متعيّن دون العنب بمقتضى المحافظة على النسق القرآني . إلّا أنَّ الإشكال يتوجّه إلى اللغة لا إلى القرآن ؛ لأنَّ اللغة جعلت لاسم الجنس جمعاً ، فلماذا جعل العرب لأسماء الأجناس جمعاً ، مع أنَّها دالّةٌ على الكثرة في نفسها ؟ !
فإن قلت : إنَّهم قالوا في الكتاب كتب ، وفي الحيوان حيوانات ، مع أنَّها دالّة على الجنس أيضاً .
قلت : نعم ، إلّا أنَّ ذلك أجنبي عن محلّ الكلام ؛ فإنَّ مفرد الحيوانات حيوان ، وهو دالّ على الوحدة ، ومفرد الكتب كتاب ، وهو دالّ على الوحدة أيضاً ، فلا يكون اسم جنس من هذه الناحية ، مع أنَّه اسم جنس من ناحية أُخرى ، بخلاف مفرد أعناب ؛ لأنَّ مفرده عنب ، وهو دالٌّ على الكثرة ، ودلالته على الوحدة غير محتملةٍ أصلًا .
ومن الطريف الذي قلّ ما يلتفت إليه اللغويّون هو أنَّك تستفيد الكثرة من المفرد بصفته اسم جنس بشكلٍ أوسع وأكثر ممّا تستفيد من الجمع ؛ لأنَّ الجمع قد يكون من القلّة ، فلا يُفيد إلّا أفراداً قليلةً ، بخلاف اسم الجنس الذي يدلّ على النوع كلّه .
وجمع العنب هنا قد يكون باعتبار تعدّد الأفراد كالعناقيد ، فكلّ عنقود هو عنب ، ومجموعه أعناب ، أو كلّ شجرة هي عنب ، والمجموع أعناب .
أو يكون باعتبار تعدّد أنواع العنب ؛ لأنَّ للعنب أنواعاً كثيرةً ، ولعلّه هو الأظهر ، فيُقال : أعناب ، أي : أنواع كثيرة من العنب . ومن هنا تظهر حقيقة تاريخيّة حاصلها : أنَّ أهل الجزيرة العربيّة كانوا يعرفون أنَّ للعنب أنواعاً
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 544
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٤٤