ومن هنا يمكن أن يُشكل : بأنَّه لا يوجد استحقاقٌ للعذاب من هذا القبيل ، أي : غير متناهٍ ، بل يزداد بالتدريج ؛ لوصفها منافاته للعدل بمعنى من المعاني ، وحينئذٍ لابدّ من التصرّف في ظهور الآية .
وما يمكن أن يُقال في الجواب عنه وجوهٌ :
الوجه الأوّل : أنَّ المتشرّعة وإن فهموا أنَّ مضمون الآية إنَّما يتحقّق في الآخرة ويوم القيامة ، إلّا أنَّنا يمكن أن نصرف معناها إلى الدنيا ويكون الكلام وجيهاً حينئذٍ ، أي : فذوقوا في الدنيا ؛ فلن نزيدكم إلّا عذاباً ، وهو يحدّد بحدود الحياة الفرديّة إلى أن يموت الإنسان .
ثُمَّ إنَّ زيادة العذاب والبلاء يمكن تقريرها على نحوين :
أحدهما : أنَّ هذا الشيء الذي يذوقه من الشر ، هو البلاء الدنيوي وهو موجودٌ وشديدٌ على كلّ البشر تقريباً إلّا من رحم الله ، كما يظهر ذلك بوضوحٍ في الكفّار والمنافقين ، مع أنَّنا نراهم ظاهراً في راحةٍ ، وهم في أقصى درجات البلاء حقيقةً ، والله تعالى لا يزيل عنهم العذاب ، وإنَّما يزيدهم عذاباً وبلاءً .
وثانيهما : أنَّ الدنيا دار عملٍ ، وهم بذنوبهم يستحقّون الزيادة في العقاب والعذاب كلّما استمرّ عملهم ، وهكذا يبقى استحقاق الزيادة إلى حين الموت .
الوجه الثاني : أنَّ حرف ( لن ) وإن كان يُفيد التأبيد بحسب إطلاقه ، إلّا أنَّه يمكن إبراز مخصّصٍ له بالقرينة المتّصلة ؛ لأنَّ غاية ما يفيده هو الاستقبال ، أي : ( قل : لّن نزيدكم مستقبلًا إلّا عذاباً ) ، وهو واضحٌ ، والمخصّص هو الآية السابقة ، أي : قوله تعالى : لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا . نعم ، خلال هذه الأحقاب تكون زيادة العذاب متدرّجةً بحسب استحقاق الفرد ، إلّا أنَّه حينما تنتهي الأحقاب يخرج من جهنّم وينقطع العذاب أصلًا . ومن هذه الناحية لا نقول : إنَّه يبقى إلى الأبد ، وقد نتصوّر نحو رحمةٍ بهؤلاء ؛ لأنَّه كلّما تزايد العذاب
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 539
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٣٩