طريق الكتابة بالخصوص ، وهي الطريقة الأشدّ ضبطاً وتركيزاً ، فأحصيناه كتاباً يعني : ضبطناه ضبطاً ، وهو معنى يُفيد عدم إمكان مخالفة الواقع .
ثُمَّ إنَّ الكتاب معنى كلّي قابلٌ للصدق على كثيرين ؛ فقد يكون المراد منه القرآن الكريم ، كما قال تعالى : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » ، ونفهم من الكتاب القرآن ، كما هو الفهم المتشرّعي ، بل لعلّ إجماع المفسّرين على ذلك .
وقد يكون المراد منه الإمام ، كما قال تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ « 2 » ، ولفظ الإحصاء واردٌ هنا أيضاً .
وقد يُراد منه اللوح المحفوظ ، وقد يُراد منه صحائف الأعمال التي تضبط حسنات وسيّئات الفاعلين ، والآية هنا تتحدّث عن ذنوب المذنبين ، فكلّ شيء أحصيناه كتاباً ، أي : أحصينا ذنوب المذنبين في صحائف الأعمال .
* * * * قوله تعالى : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً :
وأوضح ما في هذه الآية هو تغيّر السياق من ضمير الغائب للجمع قال تعالى : إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً وقال : وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً إلى ضمير المخاطب قال تعالى : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً ، وهذا ما يُطلق عليه بالالتفات في علم البلاغة ، وقد التفت إليه السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) أيضاً .
قال في « الميزان » : والالتفات إلى خطابهم بقوله : فَذُوقُوا تقديرٌ لحضورهم ليخاطبوا بالتوبيخ والتقريع بلا واسطةٍ « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 38 .
( 2 ) سورة يس ، الآية : 12 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن 169 : 20 ، تفسير سورة النبأ .