قوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً :
أفاد الراغب : أنَّ الإحصاء التحصيل بالعدد ، وهو مأخوذٌ من لفظ الحصى ؛ لأنَّهم كانوا يعتمدون الحصى بالعدّ ، كاعتمادنا الآن على الأصابع مثلًا ، فسمّي العدّ إحصاءً . قال تعالى : وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدا « 1 » أي : حصّله وأحاط به . وقال ( ص ) : « مَن أحصاها دخل الجنّة » « 2 » . وقال : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ « 3 » « 4 » .
أقول : والإحصاء تارةّ يكون إثباتيّاً ، وهو العدّ للتعرّف ، وكذلك معلول الإحصاء ، وهو العلم بالعدد ، وهذا المعنى هو المراد منه غالباً ، وقد يكون مراداً في الآية .
وأمّا الإحصاء الثبوتي فهو السيطرة على الجزئيّات جميعاً ، أحصيناه أي : سيطرنا عليه في مقام القدرة والتدبير ، كما لو كنّا قد عددناه فعلًا . وما ذُكر احتمالٌ في الآية الكريمة ، إلّا أنَّ سياق الآية مع انضمامها إلى ما تقدّم منها يفيد الإحصاء بالمعنى الإثباتي ، وهو التعرّف على ذنوب المذنبين ؛ لأنَّه يتحدّث عن العصاة لأجل مجازاتهم بما يستحقّونه من العذاب .
وقد يظهر أنَّ هذه الآية وردت زائدةً - والعياذ بالله - بين آيتين يكتمل
هامش
( 1 ) سورة الجنّ ، الآية : 28 .
( 2 ) التوحيد : 194 ، الباب 29 ، الحديث 8 ، الخصال 593 : 2 ، أبواب الثمانين وما فوقه ، الحديث 4 ، صحيح البخاري 185 : 3 ، كتاب الوصايا ، صحيح مسلم 63 : 8 ، باب العزم بالدعاء ، وغيرها .
( 3 ) سورة المزّمّل ، الآية : 20 .
( 4 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 120 ، مادّة حصا .