أضف إلى ذلك أنَّ اعتبار الحساب شرّاً غير وجيهٍ ، وأنا أقول : إنَّ الحساب عين الخير ؛ لأنَّ الله تعالى خيرٌ لا يصدر منه إلّا الخير ، ولا يريد لنا إلّا الخير ، كما لا يريد للمعاندين أيضاً إلّا الخير ، لكنّه الخير المناسب لهم ، وهو كونهم في أسفل دركٍ من الجحيم ، وعليه فمن المناسب استعمال معنى الرجاء في المقام .
ويُلاحظ : أنَّ ( رجا ) يتعدّى إلى مفعولٍ واحدٍ ، نقول : ( رجوت زيداً أو رجوت الله ) ، وإن كانت بمعنى ( ظنّ ) التي تتعدّى إلى مفعولين ، وفي الآية نصبت مفعولًا واحداً : ( حساباً ) وهو مفعولٌ به ، إلّا أنَّ منع تعدّيها إلى مفعولين غير وجيهٍ حسب فهمي وذوقي . والوجه فيه : أنَّك كما تقول : ( ظننت زيداً عالماً ) ، كذلك تقول : ( رجوت زيداً عالماً ) ، وإن ذكر النحويّون هنا حيلةً شرعيّةً نحويّةً ، وهي : أنَّ ( عالماً ) حالٌ أو صفةٌ ، إلّا أنَّنا نقول : بل هي مفعولٌ ثانٍ .
* * * * قوله تعالى : وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً :
الكِذّاب - بالكسر - والتشديد صيغة مبالغةٍ ، وأمّا مع عدم التشديد فهو مصدر كالكذب ، والكذّاب - بالفتح - كثير الكذب ، فكثرة الكذب هي الكذّاب بالكسر ، كما أنَّ فعل الكاذب هو الكذب .
وأمّا بالتخفيف الذي هو الكِذاب فهو أقرب إلى أن يكون مصدراً للصفة المشبّهة باسم الفاعل ، فصفة الحَسَن هي الحسن ، وصفة الجميل هي الجمال ، فكذلك صفة الكاذب هي الكذاب ، إلّا أنَّ مادّة الكذب قليلة الاستعمال في الصفة المشبهة ، إلّا أن يُقال : كذّيب كشرّيب وسكّير .
وفي التكذيب بالآيات احتمالان :
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 532
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٣٢