التكذيب ، أي : الذنوب ، فصاروا طاغين ثبوتاً ، أي : ليس عنوان الطاغين هو الثابت لهم ؛ لأنَّ هذا عنوانٌ انتزاعي ، بل الطغيان بالمعنى الثبوتي ثابتٌ لهم ؛ لأنَّهم لا يرجون حساباً .
الخطوة الأُخرى في هذه الآية أنَّها قالت : كَانُوا أي : بلفظ الماضي ، فهل هذا يعني أنَّهم الآن يرجون الحساب ؟ !
ويُلاحظ : أنَّ ( كان ) إمّا للشأنيّة ، أي : من شأنهم أنَّهم لا يرجون حساباً ، أو نقول : إنَّها للماضي ببيان : أنَّهم كانوا في الحياة الدنيا لا يرجون حساباً وكذّبوا بآياتنا كذّاباً ، فكأنَّ هذا الحديث وقع في الآخرة ، وقد صارت الدنيا هناك حدثاً ماضياً ، والكلام عن هذا الحدث الماضي .
وأمّا الشأنيّة فيعضدها الآيات السابقة التي عبّرت بلفظ ( كان ) ، وقلنا : إنَّها للشأنيّة نحو : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ، فتكون أُطروحة الشأنيّة في هذه الآية أقوى .
الخطوة الأُخرى في قوله : ( حسابا ) ، أنَّه لماذا لم يقل : و ( لا يرجون الحساب ) ، أو ( لا يرجون حسابي ) ؟
والجواب : أنَّ ذلك منافٍ للنسق القرآني لنهاية الآيات . وهذا وجيه في نفسه ، إلّا أنَّ هناك جواباً آخر من الجهة المعنويّة حاصله : أنَّ ( حساباً ) نكرةٌ ، ومعه يمكن أن نشير إلى أمرين :
الأوّل : أنَّها بمعنى : أنَّهم لا يرجون أيّ حسابٍ ؛ بالعموم ؛ لأنَّها نكرةٌ في سياق النفي .
الثاني : أن تكون بمعنى النكرة المضافة إلى ياء المتكلّم ، أي : ( حسابي ) على طريقة : يا قومي ويا ربّي ، إلّا أنَّ وجود الألف يبعد هذا الاحتمال ، فيبقى
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 530
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٣٠