ما يكوي ويلذع ، ومن الواضح أنَّ الحرارة تلذع ، والبرودة القويّة تلذع أيضاً ، فكلاهما من هذه الناحية حميمٌ « 1 » .
أقول : إنَّ كلام ابن الأنباري لا يعدّ حجّةً في بيان المعاني اللغويّة ، بل هو حجّةٌ في الإعراب .
فقد يُقال : إنَّ البرودة بجميع معانيها لا يمكن أن تصدق على جهنّم .
ويمكن الجواب على ذلك : أنَّنا نأخذ رأيه كأُطروحةٍ ، واستبعاد البرد عن جهنّم غير وجيه ؛ وذلك لأمرين :
الأوّل : وجود زمهرير في جهنّم ، والعذاب به بالبرد فقط .
الثاني : أنَّ شرب الماء البارد في حالة كون الجسم حارّاً مضرٌّ للغاية وموجبٌ لمضاعفات قد تؤدّي إلى الموت ، فيكون من هذه الناحية عذاباً في جهنّم . وأمّا كيف تحصل البرودة في جهنّم ؟ فهذا ممّا لا نعلمه ، وإنما هو ممكنٌ بقدرة الله تعالى .
ثُمَّ قال ابن الأنباري : فإن جعلته بمعنى النوم ، كان استثناءً منقطعاً « 2 » .
أقول : كلا الأمرين محلّ نقاشٍ ، إذ الحميم لا يعني النوم ، والاستثناء ليس منقطعاً ؛ إذ لم يرد في اللغة أنَّ الحميم بمعنى النوم ، ولا يوجد في الارتكاز اللغوي هذا المعنى ، ولو كان كذلك فالاستثناء ليس منقطعاً طبقاً للأُطروحة الثانية السابقة الذكر ، أعني : الاشتراك بين ما قبل ( إلّا ) وما بعدها ، وهي قابليّة الذوق ؛ فإنَّ النوم قابلٌ للذوق ، ومن الواضح أنَّ تطبيق الذوق على النوم جائزٌ وحاصلٌ عرفاً ، فنقول مثلًا : ( لم أذق النوم هذه الليلة ) .
هامش
( 1 ) أُنظر : البيان في غريب إعراب القرآن 490 : 2 ، غريب إعراب سورة النبأ .
( 2 ) أُنظر المصدر السابق .