الأُطروحة الثالثة : أن تدخل ( لا ) على الكلمة الأُولى دون الثانية ، وهذا أسوء الاحتمالات ، كما لا يخفى .
ثُمَّ إنَّ ( ولا ) تفيد النفي ، ولا محلّ لها من الإعراب ، مع أنَّها لا تمنع عن معنى العطف الذي تقتضيه الواو ، وكذلك الحال في ( إلّا ) ؛ فهي أيضاً لا تمنع معنى العطف إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ، ولذا نصب ما بعدها على أنَّه مفعولٌ به . و ( إلّا ) في الآية عاطفة بمعنى ( بل ) ، أي : ( لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ، بل حميماً وغسّاقاً ) . ولو كان استثناءً كما يقول المشهور ، فقد يكون استثناءً منقطعاً ، من قبيل : ( جاء القوم إلّا حماراً ) ؛ لأنَّ ما قبل ( إلَّا ) في الآية من الأشياء الموجبة للراحة ، وهي البرد والشراب ، وما بعدها موجبٌ للألَم ، وهو الحميم والغسّاق ، فهناك تفاوتٌ بين ما قبلها وما بعدها ، فيكون استثناءً منقطعاً .
وهذا المعنى قد نصّ عليه ابن الأنباري ، وسيأتي موضع كلامه .
الأُطروحة الرابعة : أن يكون الاستثناء متّصلًا ؛ لأنَّنا نلحظ جهة أُخرى ، وهي الذوق ، وهذه الأربعة ممّا يُذاق بالمعنى الأعمّ الشامل للبرد والشراب والحميم والغسّاق ، فهي جميعاً تشترك في مفهومٍ واحدٍ ، وهو قابليّتها للذوق ، فيكون الاستثناء متّصلًا لا منقطعاً .
قال ابن الأنباري : والحميم يُطلق على الحارّ والبارد إن جعلت البرد من البرودة « 1 » .
فالحارّ يسمّى حميماً ، كما هو المشهور ، والبارد يسمّى أيضاً حميماً ؛ هذا من باب الانطباق على المعاني المتضادّة من قبيل : جلل الذي يصدق على الخفيف والشديد ، وجون الصادق على الأسود والأبيض . والظاهر : أنَّ الحميم بمعنى
هامش
( 1 ) أُنظر : البيان في غريب إعراب القرآن 490 : 2 ، غريب إعراب سورة النبأ .