يحتاجون إلى مرصادٍ ومراقبةٍ ، وهذا لطفٌ من الله ورحمةٌ بهم ، وإن كانت أعمال المؤمن كلّها مراقبةً ، إلّا أنَّ الرصد للسيّئات آكد وأشدّ .
وهنا قد يرد إشكال حاصله : أنَّه بعد ضمّ قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ إلى قوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ينتج أن يكون الله - والعياذ بالله - في جهنّم ؛ فإنَّ الله إذا كان بالمرصاد تعيّن أن يكون هناك ؛ لأنَّ جهنّم هي المرصاد .
وينبغي الإجابة عن هذا الإشكال في هذا البحث ، وهذا الجواب الذي سنذكره ينبغي أن يكون واضحاً ، فنقول :
أوّلًا : إنَّ مكان الرصد لا يتعيّن أن يكون في جهنّم ، والآية وإن كانت دلالتها المطابقيّة تثبت أنَّ جهنّم هي المرصاد ، إلّا أنَّ أماكن الرصد عديدةٌ ولا تنحصر بها ، أو قل : إنَّ الآية ليس فيها مفهوم مخالفة ينفي وجود مرصادٍ آخر .
ثانياً : أن نفهم بأنَّ المرصاد حيث كان فهو جهنّم أو بمنزلة جهنّم ؛ لأنَّنا عرفنا أنَّ الرصد في المفهوم القرآني خاصّ بالذنوب ، ونتيجة الذنوب هي نار جهنّم ، فالتعرّف على الذنوب بالمرصاد هو تعرّفٌ على النار أو تسبيبٌ للوقوع فيها ، أي : وقوع المذنبين .
ثالثاً : إنَّنا لماذا نستبعد أن يكون محلّ الرصد الإلهي هو جهنّم ؟ !
والوجه فيه : أنَّ الله وإن كان مستغنياً عن المكان والزمان والآلة ، إلّا أنَّ الحكمة الإلهيّة اقتضت ذلك ، كما هو الظاهر من الجمع بين الآيتين ؛ وذلك بإعطاء جهنّم هذه الصّفة المهمّة ، مع أنَّ الرصد لخصوص الذنوب ، وهي ممّا يرتبط بجهنّم لا بالجنة . ويمكن أن يُستأنس لذلك بالإشارة إلى نقطتين :
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 519
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥١٩