* لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً ، والمهمّ أنَّ كلّ هذه الآيات تبيّن صفات لجهنّم ، والعياذ بالله منها .
والمرصاد محلّ الرصد والمراقبة ، وقد اتّضح غير مرّةٍ جواز أن يكون هذا الاشتقاق ( مفعال ) مصدراً ميميّاً واسم مكان واسم زمان ، والجميع محتملٌ هنا ، إلّا أنَّ بعض الاحتمالات أقوى من بعضٍ ، واحتمال إرادة الزمان ضعيفٌ ؛ لأنَّ جهنّم مكانٌ لا زمانٌ ، كما هو واضحٌ ، فيتعيّن اسم المكان ، أي : إنَّ جهنّم مكان الرصد .
وأمّا قوله كَانَتْ فلا يفهم منه أنَّ جهنّم ليست الآن مرصاداً ؛ لأنَّ ( كان ) يُراد بها الشأنيّة لا الزمان ، أي : من شأنها أن تكون كذلك ، والشأنيّة أشبه بالذاتيّة التي لا يمكن انفكاكها عنها ، وإن كانت ليست ذاتيّةً بالمعنى الدّقي ، فجهنّم دائماً مرصادٌ ، وليست في زمانٍ دون زمانٍ . وإن تنزّلنا وقبلنا الزمان في قوله كَانَتْ ، فهذا لا يعني أنَّ جهنّم الآن ليست مرصاداً ، بل كانت وما زالت ؛ لعدم وجود مفهوم المخالفة في الآية .
ولا يخفى : أنَّ ( كان ) تستعمل للشأنيّة في غير موضع من القرآن : كقوله تعالى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً « 1 » وقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ « 2 » ونحوهما .
والخطوة الأُخرى هنا أنَّه قد يرد إلى الذهن أنَّ جهنّم لا يحتمل أن تكون محلًّا للرصد ، كما هو ظاهر الآية ، فلابدّ أن نؤولها عن ظاهرها . ويمكن الإجابة عن ذلك بوجوهٍ :
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 134 .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 110 .