من جهة نظر الآخرين له ، وبينما كان ظاهراً لامعاً كالسراب في أعينهم ، إلّا أنَّه في الحقيقة موهوم الذات لا وجود له بإزاء القدرة الإلهيّة .
الأُطروحة السابعة : أن نفهم من السراب الحركة : إمّا بالمعنى الذي تقدّم قبل قليل أو بمعنى التسرّب ؛ لأنَّه من مادة ( سرب ) أي : تحرّك ومشى ، فالمعنى : كانت الجبال متحرّكةً ساربةً بعد أن كانت ثابتةً أو موهومة الثبوت . وهذا من أحسن الوجوه في تصوير الارتباط والعلّيّة بين التسيير والسراب ، فيكون التسيير سبباً للسرابيّة أو لصفة السراب ، وهذا التسيير يستمرّ إلى حدّ تكون الجبال ساريةً وساربةً . وبذلك أيضاً يندفع إشكال حصول التكرار المعنوي بين اللفظين ، فالتسيير إشارةٌ إلى مبدأ السير وسببه ، ولذا يقول : ( سيّرت ) أي : بعد أن كانت ثابتةً في نفسها ، والسراب إشارةٌ إلى المعلول والنتيجة ، أي : صارت سراباً .
* * * * قوله تعالى : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً :
بعد بيان قدرة الله ونعمته أوّل السورة في النبات والحيوان والإنسان ، ذُكرت ثلاثة سياقات تبدأ بحرف التأكيد - حسب الفهم المشهور - أوّلها سياق يوم القيامة بقوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ، مع سائر أوصافها ، وثانيها ذكر عذاب جهنّم بقوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً مع سائر نعوتها ، وثالثها ذكر الفوز بالجنّة بقوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ، مع سائر كمالاتها ، تكون الآية التي نتحدّث عنها أوّل السياق الثاني من الثلاثة ، وهو الذي يتحدّث عن جهنّم وصفاتها .
وقد وُصفت جهنّم هنا بعدّة أوصاف منها : مرصاداً ولِلْطَّاغِينَ مَآباً
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 516
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥١٦