فإنَّهم عندما يأتون إلى رسول الله ( ص ) يأتون فرادى ، ويتشهدّون الشهادتين ، ويدخلون في دين الله ، إلّا أنَّ القرآن مثّلهم مجتمعين جسداً ؛ لأنَّهم مجتمعون قلباً وعقيدةً .
ولنطبّق الآن هذه المعاني على ما هو مرقومٌ في الآية الكريمة .
وليعلم أنَّ كلًّا من الأمرين جائزٌ ؛ لوضوح أنَّ الحشر يكون فرديّاً بمعنى : أنَّ كلّ واحدٍ يعود إلى الحياة دون أن يعلم بالآخرين ، فكيف يحصل الفوج هنا ؟ ويمكن أن نذكر أُطروحات متعدّدة في تصوير الفوج :
الأُطروحة الأُولى : أنَّهم يأتون أفراداً ، كما هو مقتضى القاعدة الأوّليّة في الارتكاز المتشرّعي ، وإنَّما عبّر بالأفواج لكثرتهم مجازاً ، وإلّا فإنَّهم غير متّفقين فيما بينهم ولا مختارين في الاتّجاه .
الأُطروحة الثانية : أنَّهم يأتون أفواجاً ، بمعنى : أنَّ كلّ جماعة يلتحق بعضهم ببعض ويذهبون إلى المحشر طبقاً لمنطوق الآية ، ويؤيّد ذلك قوله ( يوم ) .
ولكن كيف تجتمع كلّ جماعة منهم ؟
ويمكن أن يُقال - كأُطروحةٍ - : إنَّهم مجتمعون خلف إمامهم يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ « 1 » ، فيذهبون إلى حيث يشاء الله : إمّا إلى جهنّم إذا كان إمام باطلٍ ، أو إلى الجنّة إذا كان إمام حقٍّ ، فكلّ فوج يتقدّمهم إمامٌ ، وهم أتباعه .
الأُطروحة الثالثة : أنَّ البشر كلّهم يحشرون دفعةً واحدةً وعلى شكل فوجٍ واحدٍ ، وهذا بمعنى من المعاني موافقٌ لارتكاز المشهور ، وإنَّما قيل ( أفواج ) بلحاظ الانحلال ؛ لأجل تصوّر الكثرة في الحقيقة ، فيُقال بأنَّ هذا الفوج ينقسم في داخله إلى أفواجٍ ، إمّا باعتبار الإمامة أو باعتبار الأجيال أو
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 71 .