تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
ثُمَّ إنَّ النفخة الثانية لها محمولان في القرآن : أحدهما : فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ « 1 » . وثانيهما : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً . والغرض : أنَّه يمكن الجمع بين هذين المحمولين ؛ لأنَّ المجيء يحتاج إلى قيامٍ ، فهم يقومون أوّلًا ، ثُمَّ يأتون أفواجاً ، أو نفهم من القيام مجرّد رجوع الحياة إليهم والنظر أيضاً ، ولذا قال تعالى : قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ، أي : لم يكونوا ينظرون ، فرجعت إليهم الحياة ، فصاروا ينظرون ، وهذا شرطٌ لحصول المجيء منهم ؛ لأنَّ الميّت لا يتحقّق منه المجيء . وهنا نكتةٌ أُخرى حاصلها : من أين يكون المجيء أو الإتيان ؟ وإلى أين ؟ والوجه فيه : أن الإتيان معنى إضافي متقوّمٌ بطرفين ، وأحد طرفيه البشر ، ولكن من أين وإلى أين ؟ ويُلاحظ : أنَّه لم يذكر في الآية ، وحينئذٍ يتعذّر الفهم المتشرّعي الساذج القائل بأنَّ الحشر على سطح الأرض ؛ لأنَّ الآية تُفيد الانتقال ( تأتون ) ، فإذا كان الحشر على الأرض كفى قوله تعالى : قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ، إلّا أنَّه قال : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ، وسطح الأرض لا يحتاج إلى إتيانٍ ، بل يكفي أن يفيق كلّ شخصّ من قبره ويُحاسب في مكانه ، فالانتقال يدلّ على أنَّ عرصة القيامة غير سطح الأرض . نعم ، يقومون على سطح الأرض ، ثُمَّ يحضرون إلى محلٍّ آخر ، وهو عالمٌ آخر غير هذا العالم الذي نحن فيه ، وبذلك يندفع الإشكال المعروف القائل : إنَّ سطح الأرض يكفي لحشر الناس أجمعين ؛ باعتبار أنَّهم سينتقلون إلى عالمٍ آخر أوسع من الأرض .
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، الآية : 68 .