أقول : المهمّ فيه هو التدفّق والسيلان بشدّة ، يمكن التمثيل له بدم الهدي ؛ لتدفّقه الشديد ، وهو مجازٌ . والظاهر : أنَّ كثرة الذبح يقع فيها الثجّ ، ولا مدخليّة للهدي فيه ؛ فإنَّ كلّ ذبح فيه تدفّقٌ للدم ، وفي الهدي ذبحٌ وافرٌ ، فيصدق الثجّ .
فإن قلت : إنَّ وصف الْمُعْصِرَاتِ المذكور للمطر والسحاب كافٍ في بيان نزول المطر ، ولا حاجة إلى قوله : ثَجَّاجاً .
قلت : ما ذُكر ممنوعٌ ؛ لعدّة وجوه :
الوجه الأوّل : أنَّ المراد بالمعصرات قابليّتها لنزول المطر ، والمراد بالثجّاج قابليَّتها لفعليّة نزول المطر وحصوله حقيقةً .
الوجه الثاني : أنَّ المراد بالمعصرات مطلق النزول وبالثجّاج الفرد الكثير منه والتدفّق ، ولا يخفى أنَّ المطر ينزل على نحوين : شدّةً وضعفاً .
الوجه الثالث : أنَّ المراد بالمعصرات وجود الماء في أعالي السماء ، أي : خلال وجوده في السحاب ، وبالثجّاج نزوله إلى الأسفل .
فإن قلت : إنَّ المطر لا يتّدفّق بنحوٍ مطّردٍ ، بل ربما يكون قليلًا ونادراً ، فكأنَّ في الآية مبالغةً ، فلماذا يكون ثجّاجاً دائماً ؟
قلت : إنَّ هذا وجيهٌ ، ولكن ليس في الآية مفهوم مخالفة ينفي المطر القليل ، أي : أنزلنا من المعصرات ماءً ثجّاجاً وماءً غير ثجّاجٍ ، ولا يُقال بعد جريان مفهوم الوصف في العام وفي المقام .
والمراد هنا إبراز القدرة الإلهيّة في إنزال المطر المتزايد من الجوّ ؛ لأنَّ هذه الحصّة - وهي كون الماء كثيراً متدفّقاً - أولى بإبراز القدرة وأوضح مصداقاً من المطر الخفيف .
فإن قلت : إنَّ السحاب لا يكون دائماً قابلًا للمطر كقَزَع الخريف ،
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 501
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٠١