الراغب من وجود معيشةٍ في الجنّة ، فنقل قول النبي ( ص ) : « لا عيش إلّا عيش الآخرة » « 1 » « 2 » .
أقول : هنا سأُقدّم الأُطروحة الأقرب بحسب ذوقي وحدود فهمي .
فأقول : إنَّ العيش يُطلق على أمرين متلازمين غالباً وعرفاً إلى حدّ ما هما : الحياة في الدنيا والحركة والتصرّف الناشئ من هذه الحياة .
فهما كالعلّة والمعلول في تساوي وجودهما الخارجي ، وبيان العلّة : أنَّ الإنسان حيٌّ يحسّ ويتنفّس ، والمعلول إشارةٌ إلى التصرّفات الناشئة من الحياة .
ومن هنا قال الراغب : العيش : الحياة المختصّة بالحيوان ، وهو أخصّ من الحياة ؛ لأنَّ الحياة تُقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي المَلَك . . . « 3 » . وعليه فالراغب فهم من الحياة أنَّها الحياة الدنيا على وجه الأرض ، ومن هنا تعجّب من كون الجنّة عيشةً راضيةً .
والظاهر : أنَّ تقييد العيش في هذه الدنيا بلا موجبٍ ما دام كلٌّ من المعنيين السابقين متحقّقاً ، أي : الحياة والتصرّف الناشئ من الحياة ، وهذا هو العيش . وأمّا التصرّف الاقتصادي والمادي فهو حصّةٌ من حصص العيش ، وعليه يصدق على الملائكة العيش ، مع أنَّ الراغب نفى ذلك .
فلنا أن نقول : إنَّهم يعيشون في السماوات ؛ لأنَّ لهم حياةً وحركةً ونشاطاً ، وإن لم يدركه العرف ، كما يعمّ الجنّة والنار ؛ لأنَّ أهلها أحياءٌ فيها ،
هامش
( 1 ) مناقب آل أبي طالب 185 : 1 ، فصل في هجرتهص ، تفسير القمّي 177 : 2 ، تفسير سورة الأحزاب ، بحار الأنوار 124 : 19 ، الباب 7 ، الحديث 9 ، وغيرها .
( 2 ) راجع مفردات ألفاظ القرآن : 367 ، مادّة عيش .
( 3 ) راجع المصدر السابق .