بعضها أُطروحاتٌ شاذّةٌ بطبيعة الحال .
ثُمَّ إنَّ العرف والمشهور وإن فهم من الليل ما يقابل النهار ، إلّا أنَّه يمكن أن نعطي فهماً أوسع وأعمق من ذلك . وبيان ذلك : أنَّ الليل يُشير إلى ليل البلاء أيّاً كان نحو : بلاء الدنيا أو بلاء ليل البرزخ ؛ لأنَّ البرزخ من معاني الظلمات ، أي : الليل ، أو ليل فساد الاعتقاد ، أي : ليل الضلال الذي قد يكون في سائر موارد الاعتقاد ، كما عند جملةٍ من الناس ، أو يكون في بعض الاعتقاد ، كالفكرة الضالّة ( والعياذ بالله ) وهكذا .
والخطوة الأُخرى في المقام هي أنَّه إذا قارنّا هذه الآية وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً مع الآية التي بعدها وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً أمكن أن نستفيد مدلولاتٍ أُخر من الآية الأُولى ، فتكون الآية الثانية بمنزلة القرينة المتّصلة على فهم الآية الأُولى ؛ فإنَّنا تارةً لا نفهم المقابلة بين المعنيين ( لباساً ) و ( معاشاً ) ، بل نقول : حصل هذا لمجرّد حفظ السياق القرآني ، كما لعلّ هذا هو فهم المشهور . إلّا أنَّ هذا ليس بتامٍّ ؛ لأنَّ الليل والنهار متقابلان ، إذن فالسياقان متقابلان في الآيتين ؛ إذ لو كان التقابل مجرّد حفظ النسق القرآني ( لباساً ، معاشاً ) لأمكن استعمال ألفاظٍ أُخر ، مع أنَّه ذكر هذين اللفظين بالخصوص ، مع كثرة الألفاظ العربيّة ، فيمكن له أن يأتي بأيّ لفظٍ آخر لحفظ النسق . وعليه فيوجد لدينا سياقٌ لفظي وسياقٌ معنوي ، وهما حفظ النسق وحفظ المقابلة ؛ إذ لا ضرر من ذلك ، فإنَّ حفظ النسق لا ينافي المقابلة ، وكلٌّ من الحكمتين مُرادة لله عزّ وجلّ .
والغرض : أنَّ الآية الثانية قرينةٌ على الأُولى لفظا ومعنى ، وهما متقابلتان ، فأيّ تفسير نذكره للمعاش يكون مقابلًا ومضادّاً لقوله : اللَّيْلَ لِبَاساً ، أي : سيكون ترك المعاش هو اللباس ؛ لأنَّ العمل إذا تُرك فكأنَّه قد
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 485
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٨٥