الأمر الثاني : أنَّ الآية ذكرت : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ، وهو جعلٌ إلهي ، وهو وإن كان وجيهاً ، إلّا أنَّه يفيد احتمال أن يكون الجعل مختلفاً بحيث لا يكون النوم سباتاً . نعم ، شاء الله تعالى أن يكون النوم سباتاً ، ولو شاء أن لا يجعله سباتاً لفعل ذلك أيضاً .
وقد يُقال : إنَّ جعل النوم غير مقيدٍ للسبات مستحيلٌ ، أي لا يُعقل أن يكون النوم إلّا سباتاً .
وجواب ذلك : أنَّ توهّم الاستحالة في المقام لها أحد منشأين :
الأوّل : العادة والاستمرار على ذلك لملايين السنين بمشيئة الله تعالى ، فقد يجد الفرد أنَّ ما يخالف العادة مستحيلٌ ؛ لأنَّنا مرتبطون بالزمان والمكان والتربية والمجتمع .
الثاني : القصور في الموضوع ، أي : إنَّ المناسب لخلقتنا هو السبات ، بمعنى : أنَّ النوم المجعول لنا سباتٌ بالضرورة ، إلّا أنَّه قد يوجد خلقٌ آخر ينفصل فيه النوم عن السبات ، فيكون عندهم نومٌ لا سبات فيه ، فلو كنّا أكثر تكاملًا في عالم الوجود لما كان نومنا سباتاً . ويمكن أن يُستأنس لهذا المعنى بأحد أمرين :
الأوّل : ما ورد عنهم ( عليهم السلام ) من : « أنَّ الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم » « 1 » .
فإن قلت : إنَّهم بشرٌ ، ومن هذه الناحية يشملهم قوله تعالى : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً فكيف لا يكون نومهم سباتاً ؟
وجوابه : أنَّه ما من عامٍّ إلّا وقد خصّ ، فيقال : إنَّ معظم البشر نومهم سباتٌ ، وأمّا الأنبياء والمعصومون ( عليهم السلام ) فليس الأمر فيهم كذلك ، وهم قلّةٌ
هامش
( 1 ) أُنظر : الغدير 45 : 8 ، صحيح البخاري 168 : 4 ، كنز العمّال 477 : 11 ، الحديث 32248 ، جواهر الكلام 75 : 13 ، رسائل فقهيّة للشيخ الأنصاري : 322 ، وغيرها .