إمساك الأرض عن الحركة العنيفة المضطربة أوّلًا ، كما يكبس الأرض من جميع الجهات ، فلا تكون محتويات الكرة الأرضيّة كالماء والثلج والتراب حرّةً في حركتها ؛ لمكان وجود الجبال التي تصدّ الهواء ، فلو كانت الأرض ملساء لأمكن حدوث الحركة العنيفة ، فلا يمكن للهواء إمساكها ، بل تنزلق من تحته ، لتكون سرعتها حول نفسها أكثر من سرعتها الطبيعيّة ، فيتغيّر نظام الليل والنهار ، أو يتغيّر ميلان محور الأرض بشدّة ، فيفسد معدل الفصول الأربعة ، وهكذا .
ويُلاحظ : أنَّ الوتد لا يدقّ إلّا في مكانٍ ، والوتد بحاجةٍ إلى طرفٍ ، وطرفه محذوفٌ في الآية ، وإن كان المشهور يرى أنَّ الأوتاد في الأرض ؛ لأنَّ الجبال في الأرض ، إلّا أنَّ المهمّ عندنا أمران : الوتد الذي هو الجبال ، وطرفه الذي هو الأرض ، ومعه يمكن أن نأخذ المعنى الرمزي للجبال الذي يُشير إلى جهاتٍ أُخر ذكرناها سابقاً ، ونحوه المعنى الرمزي للأرض ، فهو معنى رمزي يشير إلى جهاتٍ أُخر غير الجهات المدلول عليها بالدلالة المطابقيّة المشهوريّة .
ثُمَّ إنَّنا نلاحظ أنَّ كلّ شيء - سوى الله تعالى - فيه نقصٌ وفيه قابليّة للتناقص ، ويُحال بين هذا التناقص وبين حصوله بواسطة وتدٍ بفضل الله ؛ فلا يحصل التناقص ، نظير أن نتصوّر أنَّ هناك ارتجافاً في الأرض ، فلا يحصل لمكان وجود الأوتاد ، فكلّ شيءٍ فيه نقصٌ يحتاج إلى تثبيتٍ ، والتثبيت لا يكون إلّا بوتدٍ ، أو بجبلٍ بالمعنى الرمزي له .
وأمّا لو فهمنا أنَّ المراد من الأرض مثلًا المجتمع ؛ لأنَّ المجتمع يعيش على الأرض ، والأرض لا اعتبار لها ، وإنَّما اعتبارها الحقيقي بساكنيها ، فنفهم من الأرض المجتمع ، والمجتمع كما هو معروفٌ في حركةٍ دائمةٍ واختلافٍ
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 469
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٦٩