فيثقب له ثقباً بين خشبتين ، ثُمَّ يدخله لكي يربطهما بواسطته ، ولا يلزم أن يكون المسمار من حديدٍ بالنحو المتعارف حاليّاً ، والأبواب القديمة كلّها كانت فيها دسّارٌ ، أي : كانت مثبتةً بمسامير خشبيّةٍ ، وأمّا الذي يُدقّ في الأرض فهو وتدٌ .
ثُمَّ إنَّ الجبال موجودةٌ في الأرض ، فينبغي أن يعبّر عنها بالوتد ، فهي أوتادٌ ، وعندما نراها نجد أنَّها ثابتةٌ في الأرض ، وقد قلنا سابقا : إنَّ القرآن يُفيد فكرةً حاصلها : إنَّ في الجبال حمايةً لحركة الأرض ، فلو لم تكن الجبال موجودةً لتحرّكت الأرض حركات غير متّزنةٍ ، ومن ثُمَّ لا يسير النظام الطبيعي على حاله المعهود ، فتختلّ الأيّام والليالي والرياح والمياه ، ونحوها . وهذا ظاهر القرآن في هذه المسألة ، وهو حجّةٌ ، كما أنَّه يمثّل فهم المشهور ، وهو حقٌ .
والوجه فيه : أنَّ الجبال أوتادٌ ؛ لأنَّها تنفع الأرض في تثبيت حركتها ، كما أنَّ الوتد ينفع في تحكيم الخيمة أو الفسطاط ، ونحوها الجبال تؤثّر في تثبيت حركة الأرض . ثُمَّ إنَّ هذا المعنى يصدق في الجانب المعنوي أيضاً ، أي : في الأرض المعنويّة للنفس ؛ فإنَّ أرض النفس لن تكون مستقرّةً ، بل كثيرة الاضطراب والانزعاج إذا لم تكن فيها الجبال المناسبة لها ، كقوّة الإرادة وسيطرة العقل ونحو ذلك . وعلى كلّ حال إن استبعدنا ذلك في الأرض الماديّة الدنيويّة ، فلا نستبعده في الفهم المعنوي والباطني ، بل هو صادقٌ مائة بالمائة .
قال في « الميزان » : وعن بعضهم أنَّ المراد بجعل الجبال أوتاداً انتظام معاش أهل الأرض بما أُودع فيها من المنافع ، ولولاها لمادت الأرض بهم ، أي لما تهيّأت لانتفاعهم . . . « 1 » .
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 162 : 20 ، تفسير سورة النبأ .