تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
الناحية تكون الأرض المعنويّة مهداً للإنسان في الحقيقة . والسرّ فيه : أنَّ النفس تتقلّب كما تتقلّب أمواج البحر ، تتقلب فيها الرغبات والشهوات والمصالح الشخصيّة التي ندركها . ومفاد ذلك أنَّ هذه الوجودات الثلاثة - أعني : القلب والعقل والنفس - مع قطع النظر عمّا سواها من موجوداتٍ عاليةٍ كلّها متحرّكةٌ ، وهذا ملحوظٌ بالوجدان ، كما أنَّه معلومٌ بالعلم الحضوري ، وإن لم يعلمه الفرد بالعلم الحصولي . الثاني : أنَّ هذه الأرض تمثّل نقطة البداية للتكامل ، فهي مهدٌ وسريرٌ ، فالإنسان وضع في الدنيا لأوّل مرةٍ ، أي : إنَّه وضع في طريق التكامل ، فتكون بدايته من هذه النقطة طفلًا ، وكماله يسيرٌ ، وتربيته بطيئةٌ ، ثُمَّ يبدأ بالتكامل في الدنيا تدريجيّاً إلى أن يصل ويصير إنساناً له كماله اللائق به ، فهي مهدٌ له ، بمعنى : أنَّ أوّل طريقٍ للتكامل يبدأ من الأرض والدنيا . الثالث : أنَّ الأرض المعنويّة تمثّل أيضاً نقطة بداية للتكامل ، والتكامل لا يختصّ بالجانب المادّي ، بل الإنسان يتكامل في رحاب أرضه المعنويّة ، فيجذب الفاسد الموجود فيها ويرميه عنها ، ليبقى الصالح ، فيصعد إلى أن تلتحق أرض النفس بسماء النفس في الحقيقة ؛ لأنَّ الآية قالت : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً . والسياق سياقٌ استفهامي عن النفي ، والمراد به التوصّل إلى الإثبات ، يعني : جعلنا الأرض مهاداً بالفعل . وهنا يُلاحظ شيءٌ غامضٌ ، وهو أخذ الإقرار من السامع ، فعندما يسمع هذا السؤال يضطرّ أن يقول : نعم . وفي السياق عطفٌ على ما هو مشهودٌ للإنسان ومدركٌ له بالحسّ ممّا هو موصوفٌ بهذا السياق عموماً ؛ لأنَّ قوله : أَلَمْ نَجْعَلِ هو نقطة البداية ، ثُمَّ عطف عليه . . . الْجِبَالَ أَوْتَاداً ، وهكذا إلى