الجهة الثالثة : ما تقدّم من أنَّ حركة الأرض بكلّ أنواعها لا تماثل حركة المهد ، وإنَّما تحتاج إلى نحوٍ من التجريد عن الخصوصيّة ، فيُقال : إنَّ هذه الحركة إشارةٌ إلى مطلق الحركة ، وهو لا يخلو من بعدٍ عرفاً .
الجهة الرابعة : أنَّ الآية أفادت : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً ، وتقدّم منّا سابقاً أنَّ ( مهاد ) قد يكون مفرداً وقد يكون جمعاً ، وإن كان اللغويّون والمفسّرون غافلين عن هذا المعنى ، إلّا أنَّه في حدود فهمي أقرب إلى الجمع ، أي : فهم الجمع أولى من فهم المفرد . فإن تنزّلنا عن الإشكالات السابقة ، صحّ التشبيه لو قال : ( جعلنا الأرض مهداً ) ، لا حين يقول : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً . والوجه فيه : أنَّ الأرض ( مهدٌ ) واحدٌ لا مهدان ، اللّهمّ إلّا أن يُقال : إنَّ تعدّد المهاد من هذه الناحية باعتبار تعدّد حركات الأرض ، فكلّ حركة تُعدّ مهداً مستقلًا .
وبعد التنزّل عن كافّة الإشكالات السابقة قد نصل إلى بابٍ طريفٍ يمكن فتحه ، لعلّه لم يلتفت إليه أحدٌ ، إلّا أنَّ هذا ممّا وقفت عليه بفضل الله ، ومنه نفهم ثلاثة معانٍ للحركة هي :
الأوّل : أنَّ الأرض المعنويّة للإنسان تتحرّك باستمرارٍ ، فلا تهدأ ولا تستقرّ ، وهي النفس والقلب ، وإنَّما سمّي القلب قلباً ؛ لأنَّه متقلّبٌ بنحوٍ خارجٍ عن إرادة صاحبه ، بل روي أنَّ « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » « 1 » . وهذا مشهودٌ ؛ فليحاول أيّ واحدٍ منّا أن يمنع ذهنه لمدّة دقيقةٍ من خطور بعض الأشياء عليه . فالنفس والقلب يتحرّكان باستمرارٍ ، ومن هذه
هامش
( 1 ) عوالي اللئالي 48 : 1 ، الفصل الرابع ، الحديث 69 ، علل الشرائع 604 : 2 ، باب نوادر العلل ، الحديث 75 ، مع اختلافٍ في اللفظ ، مسند أحمد 168 : 2 ، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ، مع فارقٍ يسيرٍ ، وغيرها .