للأرض أصلًا وذاك فرعاً .
ثُمَّ إنَّ لفظ ( مهاد ) الوارد في الآية هل هو مفردٌ أم جمعٌ ؟ ويُلاحظ : أنَّ الراغب لم يخطر في ذهنه أنَّه جمعٌ ، بل سلَّم بأنَّه مفردٌ . ومهد ومهاداً لفظان مترادفان على رأيه ، مع أنَّ ( مهادٍ ) فيها ألفٌ زائدةٌ ، فكيف يحصل الترادف ؟ لكن يمكن أن نذكر أُطروحة تُفيد بأنَّ ( مهاد ) جمع ( مهد ) . والوجه فيه : أنَّ مهد تُجمع على صيغة مهاد ، لا بنحو جمع مذكّرٍ أو مؤنّثٍ سالمٍ ، بل بنحو تكسيرٍ ، وهذا يعني أنَّ الآية فيها أُطروحتان متساويتان ؛ فإنَّ ( مهاد ) إمّا أن تكون مفرداً أو تكون جمعاً ، ويمكن فهم كلا الأمرين هنا على حدٍّ سواءٍ .
والأرض يمكن اعتبارها مهداً واحداً لمجموع البشريّة ، أي : مجموع الأرض لمجموع البشريّة ، ويمكن اعتبارها مهاداً متعدّدةً باعتبار اختلاف النقاط السكنيّة ، كالمدن والأقاليم والقارّات ، والدول والأوطان ، وقد جعلها الله كلّها مهيّئةً لسكن الإنسان عليها من جميع الجهات .
نعم ، قد يُقال : إنَّ الآية قالت : الأَرْضَ مِهَاداً ، وحيث إنَّ ( الأرض ) مفردٌ ، فينبغي أن يكون ( المهاد ) مفرداً كذلك . إلّا أنَّه يمكن القول بأنَّ الأرض بحسب المعنى لها أجزاءٌ كثيرةٌ ، كما هو واضحٌ ، فيمكن أن نأخذها واحدةً كالكرة الأرضيّة ، ويمكن أن نأخذها متعدّدةً باعتبار اختلاف النقاط السكنيّة فيها .
وبتعبيرٍ آخر : إنَّ الأرض بمعنى اسم الجنس ، لا بمعنى اسم العلم للكوكب الذي نسكن فيه ، واسم الجنس له حصصٌ ، وكذلك هناك أراضٍ أُخر ، بل آلاف الأراضي في الكواكب الأُخرى ؛ فقد جُعلت كلّ منطقة مهداً لأهلها ، كما جعلت الأرض عموماً مهداً للبشريّة ، فيكون لدينا أربعة احتمالات :
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 460
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٦٠