وإن كان هذا هو الغالب في استعمالها ، إلّا أنَّها قد لا تكون كذلك في بعض الموارد ، كما يُستشهد لذلك بقول الشاعر :
إنَ مَن ساد ثُمَّ ساد أبوه
ثُمَّ قد ساد قبل ذلك جدّه « 1 » فإنَّ المراد هنا الماضي لا المستقبل ، مع أنَّ ( ثُمَّ ) تُستعمل في المستقبل ، وذوق العربي يعطي لنفسه الحرّيّة في أن يستعمل الحروف كيف يشاء في ما يستحسنه من المعاني دون ملاحظة القواعد النحويّة التي وُضعت فيما بعد ، أي : بعد مائتي سنة من الجاهليّة وصدر الإسلام . والذوق العربي آنذاك لم يكن يتبع القواعد الموضوعة ، بل يتبع ذوقه الشخصي أو الذوق الاجتماعي العامّ لو صحّ التعبير . فإذا انتفت هذه الخصوصيّة والقاعدة وأصبحت ( ثُمَّ ) كسائر الحروف ، فلا تفيد إلّا العطف ، وهو يناسب التأكيد . لقد ذكر الرازي سؤالًا يحسن الالتفات إليه مع الإجابة عنه ، وبيانه : أنَّه لو كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه هو يوم القيامة لَمَا قال الله تعالى : الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ؛ لأنَّ كفّار مكّة لم يختلفوا في أمر البعث ، بل اتّفقوا على إنكاره ، فهم متّفقون من هذه الناحية لا مختلفون « 2 » .
أقول : ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ :
الوجه الأوّل : أن يُراد من الاختلاف مجرّد الضلال ، أي : إنَّهم مختلفون لمكان ضلالتهم ، فهم مختلفون عن الحقّ أو عن مطابقة الواقع بصفتهم
هامش
( 1 ) أُنظر : شرح الرضي على الكافية 390 : 4 ، حروف العطف ، ومغني اللبيب 117 : 1 ، حرف الثاء ثُمَّ .
( 2 ) أُنظر : مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل : 364 ، سورة النبأ .