الناس عندما يصير علمهم حاضراً واختلافهم ماضياً ، فيشعرون عندها أنَّهم علموا ؛ لأنَّ الماضي عاد في نظرهم زائلًا من الناحية النفسيّة ، وكأنَّه لم يكن ، ولو كان بقدر مليون سنةٍ ، فمن هذه الناحية لا يجدون فرقاً كبيراً بين وقت جهلهم ووقت علمهم .
وهنا يخطر في الذهن سؤالٌ حاصله : أنَّه لماذا ورد التعبير بهذه الصيغة كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ؟
ويُجاب على ذلك بعدّة أُطروحات ، بعضها مشهورٌ ، وأُخرى غير موافقةٍ له .
الأُطروحة الأُولى : أن يكون المراد منه التهديد ، وقد مالَ إليه السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) « 1 » بمعنى : أنَّهم سيعاقبون على فعلهم واختلافهم ، أي : سيعلمون بالعذاب الذي سيقع عليهم ؛ من حيث إنَّ متعلّق العلم محذوفٌ ، فيكون سياق التهديد قرينةً على ذلك ، أعني : أنَّهم سيعلمون بالعذاب الذي يستحقّونه على اختلافهم ، لا أنَّهم سيعلمون بما يختلفون فيه .
الأُطروحة الثانية : أن يُقال : إنَّهم سيعلمون حقيقة النبأ العظيم الذي اختلفوا فيه ، ولعل هذا أظهر ، إلّا أنَّهم سيعلمون به في وقتٍ لا ينفعهم علمهم شيئاً ؛ لأنَّهم لو علموا بذلك في الدنيا لأمكن ترتيب آثار الطاعة عليه . فنحن الآن نعلم بولاية أمير المؤمنين ( ع ) ونطيعه ، وأمّا العلم بها في يوم القيامة فلا ينفع المنكرين لها في الدنيا ، بل سيكون عليهم حسرةً وندامةً ، ولا يكون لعلمهم نتائج طيّبة .
الأُطروحة الثالثة : أن يكون المراد به البشارة بحصول العلم في المستقبل
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 160 : 20 ، تفسير سورة النبأ .