الاختلاف .
أمّا ما هو اختلاف وخصام الملأ الأعلى ؟ فهذا من الأسرار ، ولا إشارة إليه في ظاهر الآية ، ولعلَّ المراد أنَّهم مختلفون مع أضدادهم وخصومهم ، كما إذا اختلف الكافرون مع المسلمين ، ولعلّهم مختلفون فيما بينهم ، من قبيل أنَّك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى . وهذا المعنى ملحوظٌ عندنا أيضاً ؛ فنحن نعيش بين قومٍ مجتمعين ضدّنا ، ونحسبهم موحَّدين ، مع أنَّهم مختلفون في داخل أنفسهم .
فقوله تعالى : الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ يُفيد أنَّهم مختلفون في أنفسهم ، لا مع خصومهم من الخارج أو مع المؤمنين أو مع من هم أعلى رتبةً منهم ، والاختلاف مع المؤمنين غير ظاهرٍ من الآية ، بل لا مورد له طبقاً لبعض الأُطروحات السابقة في تفسير النبأ العظيم ، من قبيل ما ذُكر من أنَّ الإنسان قد يتساءل في نفسه عن زمان موته أو مرضه ، وهذا يحصل عند الإنسان في داخله ، ولا يثيره أمام الآخرين .
بقي هناك إشكالٌ ، حاصله : أنَّ المتسائل إن كان واحداً فكيف ينسجم ذلك مع قوله : الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ؟ لأنَّ الجمع هنا قرينةٌ على أنَّ النبأ العظيم حسب بعض الأُطروحات ممّا يصحّ فيه الاختلاف داخل المجتمع ، لا ممّا يصحّ التساؤل فيه بين واحدٍ أو اثنين مثلًا ؟
وجواب ذلك ينبغي أن يكون إلى حدّ ما أقرب إلى الباطن ، فنقول : إنَّ التساؤل هنا تقديري لا ظاهري ، والاستفهام الظاهري لا معنى له ، كما أنَّي لا أعلم ما هو سبب موتي ، أو أين أُدفن أو متى أموت ، كما يخطر في بال سائرأفراد البشر وأذهانهم ، أي : يتساءلون عن سبب موت فلانٍ . وهذه الأسئلة غير ملحوظةٍ فعلًا ، بل تحصل عند الالتفات إليها ، سواء كان من
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 448
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٤٨