المستقبل المستعمل في الدلالة على البعد هو ( سوف ) لا السين ، فالسين لا تناسب البعيد ، وإنَّما يُستعمل للقريب ، فلماذا استعمل السين هنا ؟
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة وجهين :
الوجه الأوّل : أن يُقال : إنَّ الحروف قد يُستعمل بعضها في محلّ بعضها الآخر ، والسين هنا استعملت في معنى ( سوف ) . وهي كأُطروحةٍ أُولى لا بأس بها ، وإن كانت لا تخلو من بعدٍ .
الوجه الثاني : أن يُقال : إنَّ المعنى هنا من قبيل ما يقال في الحكمة : ( كلّ آتٍ قريبٌ ) ، وأمّا البعيد فهو الذي لا يتحقّق أصلًا ، فالمستقبل قريبٌ وإن شعرنا أنَّه بعيدٌ . وبتعبيرٍ آخر : هو بلحاظ اللانهائي قريبٌ ، فالله سبحانه من حيث كونه غير متناهٍ يرى الأشياء كلّها قريبةً ، ولو كان الفاصل الزمني لوقوعها ملايين السنين ، أي : إنَّنا عندما نعيش في داخل الزمان والمكان نراها بعيدةً ، ولكنها في نظر الله سبحانه قريبةٌ جدّاً ، كما أنَّ النملة قد ترى الباب بعيداً جدّاً ، مع أنَّه في نظرنا قريبٌ ، فالقرب والبعد معنىً نسبي ، أي : يرجع إلى نفسيّة الناظر أو الفاعل في الحقيقة ، ولو رجعنا إلى النظر الإلهي - لو صحّ التعبير - لوجدنا أنَّ كلّ شيءٍ قريبٌ بالنسبة إليه ، وعليه يصحّ استعمال ( السين ) منه تعالى .
وإذ تقرّر أنَّه قريبٌ وأنَّكم سوف تعلمون ، فلماذا هذا التساؤل والاختلاف ؟ بل سُدّوا أفواهكم وأريحوا قلوبكم ! ! لأنَّه إذا كان بعيداً فيوجد مبرّرٌ للتساؤل والاختلاف . وهنا يمكن أن نشير إلى نكتةٍ ذكرناها سابقاً ، وهي أنَّنا في الوقت الحاضر نشعر أنَّ الماضي لم يكن بعيداً جدّاً ، بل لعلّه بمثابة لحظةٍ ؛ فهو قد انقضى بكلّ سنينه ، وكأنَّها لم تكن طويلةً ، بل نشعر أنَّها كانت بالأمس . وهذا له آثارٌ عديدةٌ منها : أنَّه مهما طال الزمن في الاختلاف في الدنيا ، فإنَّ
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 450
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٥٠