ثُمَّ إنَّنا قد نقع في محذورين لابدّ من الإجابة عنهما :
أحدهما : أنَّ ( عن ) الأُولى ستكون بمعنى اللام ، أي : لِمَ يتساءلون ؟ مع أنَّ ( عن ) في وضعها الأصلي لا مورد لها .
وثانيهما : اختلاف حرفي ( عن ) الأُولى والثانية بالمعنى ، فتكون الأُولى بمعنى اللام والثانية بمعنى ( عن ) المعهودة ، فلا يكون لهما معنىً واحدٌ ، مع أنَّ مقتضى وحدة السياق وحدة المعنى فيهما ، أي : إنَّهما مستعملتان في معنىً واحدٍ .
ويمكن الإجابة عن الإشكالين المذكورين ، ولا يلزم منه محذور :
أمّا الأوّل فإنَ الحروف قد تُستعمل في محلّ بعضها الآخر كثيراً : مجازاً أو حقيقةً ، فلا بأس أن تكون ( عن ) بمعنى اللام هنا .
وأمّا الثاني فإنَّ وحدة السياق كقاعدةٍ عامّةٍ وإن كانت قرينةً على اتّحاد المعنى ، إلّا أنَّه ما من عامٍّ إلّا وقد خصّ ؛ لأنَّها ظهورٌ اقتضائي قابلٌ للتخلّف ، لا سيّما مع قيام القرينة على خلافه ، فإذا قامت القرينة على خلاف ظهور السياق سقط ورجعنا إلى القرينة .
وعلى ذلك فوحدة السياق إنَّما تكون قرينةً على اتّحاد المعنى عند عدم القرينة على نفيها ، وأمّا لو كان السياق المدلول عليه بالقرينة الدالّة على تعدّد المعنى لا محذور فيه ، أي : انخرام وزوال وحدة السياق الأوّلي المُستَدلّ عليه بالقاعدة العامّة ، فلا معنى للقول بوحدة المعنى التي ربما تفسده ، كما هو ظاهر .
وأمّا النبأ فهو إثباتٌ يراد به الثبوت ، فالنبأ هو الخبر والبيان ، فيكون المراد به الخبر العظيم ، إلّا أنَّ ذلك ليس مقصوداً قطعاً ، بل يُراد به الثبوت ، أي : المخبر عنه أو المنبأ به ، لا الخبر بما هو خبرٌ ، وإن اكتسب الخبر أهمّيّته وعظمته من المخبر عنه . والغرض : أنَّه لا يُراد بالنبأ جانب الإثبات الذي هو
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 439
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٣٩