وهاتان أُطروحتان رئيستان أسبق رتبةً ممّا طرحه العكبري .
أقول : إنَّ الجملة الثانية عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ تصلح أن تكون تتمّةً للجملة الأُولى ، كما تصلح أن تكون جواباً عن السؤال .
والمشهور هو الثاني « 1 » ، فكأنَّه قال : ( عن أيّ شيءٍ يتساءلون ) ؟ ثُمَّ أجاب : ( عن النبأ العظيم ) .
ولكن على هذا الفهم لا يصلح أن يكون الاستفهام استنكاريّاً ، ولا لبيان الاحترام ، بل يكون ظاهره الاستفهام المحض ، وهذا المعنى بعيدٌ في نفسه ، فيكون ذلك قرينةً على تعيّن الأُطروحة الأُولى ؛ لأنَّ الله تعالى إذا أجاب عن السؤال فلا معنى للاستنكار حينئذٍ ؛ باعتبار أنَّ الاستفهام الاستنكاري لا يحتاج إلى جوابٍ ، ونحوه الاستفهام لغرض بيان الاحترام . فوجود الجواب يعيّن كون السؤال في الجملة الأُولى سؤالًا محضاً ، وكونه كذلك بعيدٌ في نفسه وعن ساحته تعالى ، أي : أنَّ يسأل تعالى ثُمَّ يجيب بنفسه لمجرّد الإعلام . فتتعيّن الأُطروحة الأُولى ، فلا تكون الجملة الثانية جواباً ، بل تكون كلاماً متمّماً للجملة الأُولى ، ويكون السؤال في الأُولى استنكاريّاً أو لبيان الاحترام ، ويكون المعنى : لماذا يتساءلون عن النبأ العظيم ؟ فتكون جملةً واحدةً مستفهما عنها بنحو الاستفهام الاستنكاري ، ويكون وصفه ب - ( العظيم ) إشعاراً بالتعنيف والاستنكار ؛ فإنَّه لعظمته لا ينبغي الاستفهام عنه ولا الاختلاف فيه .
هامش
( 1 ) أُنظر : الجامع لأحكام القرآن 170 : 20 ، تفسير سورة النبأ ، مفاتيح الغيب 5 : 31 ، تفسير سورة النبأ ، مجمع البيان 639 : 10 ، تفسير سورة النبأ ، الميزان في تفسير القرآن 159 : 20 ، تفسير سورة النبأ ، وغيرها .