طبعاً نحن لا نعرف الحكمة الحقيقيّة ، لكن نتكلّم عن ذلك بمقدار مّا نستطيع أن نقوله في هذه المسألة ، فنقول : إنَّ موعد يوم القيامة لو كان واضحاً ومعروفاً لكان بالإمكان تأخير التوبة ؛ ليكون الفرد صالحاً عند حصول الساعة ، وأمّا قبلها فهو عاصٍ ومذنب يفعل ما يشاء ، ثُمَّ يتوب قبل حصولها مثلًا بوقتٍ قصيرٍ ويُحشر تائباً .
ومن المؤكّد أنَّ هذا ليس صحيحاً في التربية الدينيّة والنفسيّة والعقليّة ، ولذا جعلت الساعة مجهولةً ، فقد تأتيك صباحاً أو مساءً وفي أيّ نَفَسٍ ، وفي كلّ نومٍ يمكن أن لا يقوم منه الإنسان ، ومعه لا معنى لتأخير التوبة ؛ لأنَّ الموت متوقّعٌ في أيّ لحظةٍ ، وقيام القيامة متوقّعٌ في أيّ لحظةٍ ، فإن كنت حريصاً أن تكون طيّباً أمام الله سبحانه فكن طيّباً دائماً ؛ لأنَّه يراك دائماً ، وعندما تكون الساعة محتملة الحصول في أيّ وقتٍ فلابدّ من المبادرة إلى التوبة وترك الموبقات ونهي النفس عن هواها ؛ ليكون الفرد حاضراً ومستعدّاً للساعة ، ويكون قابلًا للنجاة والفوز فيها إذا وقعت . ومن هنا يكون الكفّار والفسّاق وأهل الغفلة من المؤمنين متحيّرين في وقت حصولها ، وقد يأتي بعضهم إلى النبي ( ص ) ويسأله عن موعدها ؛ لأنَّ النبي ( ص ) أعظم مصدرٍ نتوقّع منه الجواب الحقيقي ؛ لأنَّ علم القيامة لو وجد عند مخلوقٍ فهو عند النبي ( ص ) لا محالة ، ولذا قال : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ « 1 » .
إلّا أنَّه حتّى مع سؤالهم له ( ص ) فإنَّ المطلب يبقى سرّاً ، فلا يجيب عنه النبي ( ص ) ، وكذلك القرآن لا يجيب عنه ، وحينئذٍ ينبغي الإصرار والاستمرار على الكتمان كما هو شأن الأسرار الإلهيّة العليا . وبالرغم من أنَّ موعد القيامة
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآية : 42 .