وقوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ « 1 » وقوله : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ « 2 » .
وأمّا حلًا فباعتبار تعدّد ملكات الإنسان ، وإذا أبرزنا التعدّد كفى ذلك في تصوّر طرفين للنهي ، فهناك العقل وهناك الإرادة والقلب والنفس والحسّ المشترك ، وهكذا . ومن الطريف أنَّ جملةً من هذه الملكات أعداءٌ مع بعضها البعض ، وليست متّفقةً في القناعة ، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى خلقها وركّبها ودمج بعضها في البعض الآخر ، وأعطى إحساساً بالوحدة فيما بينها ، ويقول الفرد : أنا ، ويستخدمها جميعها . وهذه من آيات الله في خلقة الإنسان ، كما قال : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا « 3 » .
ومن هنا يشعر الفرد في جملةٍ من مراتب كماله المتدنّية بالصراع بين الحقّ والباطل في داخله ، فالنفس تريد الباطل ، والعقل يريد الحقّ ، ويستمرّ الصراع الباطني إلى أن تفوز أحدهما ، فيتمخّض الفرد في أحد هذين الجانبين ويموت الجانب الآخر ، أو يقلّ تأثيره جدّاً ، فقد يصبح الفرد باطلًا لا حقّ فيه ( والعياذ بالله ) وقد يصبح حقّاً لا باطل فيه ، بعد أن كان مختلطاً من كلا الحالين .
وبذلك يتّضح كيف يحصل النهي عن الهوى بتعدّد الملكات ، فالعقل قوّةٌ درّاكةٌ مدعومةٌ بالإرادة ، فينهى النفس ويردعها عن شهواتها ونزواتها بمختلف المستويات : إمّا بمستوى المحرّمات أو المباحات ، كما اتّضح أنَّ النهي عن المحرّمات بحسب التفسير المشهور إنَّما نهي مرحلي يستمرّ إلى أن تكون النفس قد يئست عن إرادة المحرّمات أو ترك الواجبات ، فلا أمر لمن لا يُطاع ،
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 28 .
( 2 ) سورة الشعراء ، الآية : 3 .
( 3 ) سورة الشمس ، الآيتان : 7 - 8 .