نعم ، يستطيع الإنسان أن يعصي نفسه ولا يعطيها ما تريد ، أمّا نفس الإرادة والهوى فهو شيءٌ تكويني وتلقائي ، وكلّ ما باليد هو ترك متعلّقه لا تركه هو .
وهذا الفهم ناشئٌ من استبعاد النهي عن نفس الهوى والرغبة والإرادة ، ولكن نستطيع القول : إنَّ هذا صحيحٌ في بعض المراتب والمقامات الوسطى أو المتدنّية ، لكن قد يصل الفرد إلى حدٍّ يستطيع فيه السيطرة حتّى على هواه ، فلا تهوى النفس شيئاً من الدنيا إطلاقاً ؛ لما ترى فيه من التردّي والتسافل والنزول ، فينهى النفس عن الهوى لا عن متعلّق الهوى .
ويؤيّد ذلك أنَّنا لو فهمنا معنى المتعلّق ، لكان الاستعمال مجازاً أو بتقدير مضافٍ ، كأن نستعمل الهوى كمصدرٍ في متعلّقه ، وهو نحوٌ من المجاز ، ونستعمل معنى المصدر بمعنى اسم المفعول ، أي : المهوي والمراد ، وهذه التقديريّة والمجازيّة كلاهما خلاف الأصل .
نعم ، يبقى السؤال الرئيسي هنا : أنَّ الهوى هنا هل بمعنى المصدر أو اسم المصدر ؟ ومعنى اسم المصدر أي : نفس الهوى والشهوة والإرادة ، ومعنى المصدر يعني : أنَّ تصدّي النفس لمثل هذه الأُمور ممنوعٌ ، ينهى عنها صاحبها . وكلا المعنيين يناسب لفظ المصدر في اللغة العربية ، كما أنَّ كلًّا منهما مناسبٌ مع النهي عنه في تلك المراتب العالية من المقامات .
أمّا النهي في قوله ( ونهى ) فالنهي أيضاً مصدرٌ ، ويُراد به الجهة التكوينيّة ، أي : ترك الهوى ومتعلّقاته ، فالنهي ليس نهياً تشريعيّاً ، بل هو عصيان النفس تكويناً وعدم تنفيذ ما تريد ، ولكن استعمال النهي هنا جميلٌ جدّاً ؛ وذلك لعدّة اعتباراتٍ :
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 406
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٠٦