أوّلًا : أنَّ النفس تريد بعض الأُمور ، فهو ينهاها عمّا تريده .
ثانياً : أنَّ النفس تنطق بطلبها ، فهو ينهاها عن النطق ويأمرها بالسكوت .
ثالثاً : أنَّ النفس تأمره أمراً تشريعيّاً بما تريد ، فهو ينهاها ويزجرها عن الأمر ، ولو أطاعها كان عبداً لها ، كما قال تعالى : اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ « 1 » فالهوى يكون ربّاً والإنسان عبده ، وليس عبداً لله سبحانه وتعالى .
بقي في الآية سؤالان مهمّان .
السؤال الأوّل : ما هو متعلّق الهوى ؟
قال المشهور : إنَّ متعلّق الهوى هو المحرّمات ، فينهى النفس عن إرادة المحرّمات وعن ترك الواجبات ، فإذا فعل ذلك كان ورعاً عادلًا ، فتكون الجنّة هي المأوى له .
أقول : هذا وإن كان فهماً مشهوراً جيّداً ، وهو الذي ينبغي إبلاغه للناس عموماً ، ومن يتبعه يكون فعلًا من الناجين ، إلّا أنَّه خلاف إطلاق الآية الكريمة ، فكأنَّ الآية قالت بحسب إطلاقها : ونهى النفس عن كلّ ما تهواه ، أي : عن أيّ شيءٍ خطر في النفس ، فيشمل بإطلاقه كلّ مرغوبٍ ، سواء كان من المحرّمات أو المكروهات أو المباحات ، وهذا هو الأنسب بما فسّرنا به الفقرة الأُولى من الآية ، وهي قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ .
ومن هنا انفتح بحثٌ في علم الأخلاق عن انتفاء المباح للمؤمن ، وأنَّ المؤمن ليس له شيءٌ مباحٌ ، والأشياء بالنسبة إليه إمّا واجبةٌ وإمّا محرّمةٌ . وممّا
هامش
( 1 ) سورة الجاثية ، الآية : 23 .