هذا مضافاً إلى إمكان تفسير مادّة ( المقام ) بعدّة تفسيراتٍ ، وبذلك أيضاً تزداد احتمالات تفسير الآية .
وقد استشكل المشهور « 1 » في معنى قوله : مَقَامَ رَبِّهِ ؛ إذ إنَّ المقام قد يكون لاسم المكان ، والله سبحانه وتعالى لامكان له جزماً ، فكيف قال : مقام ربّه ؟ ! فاحتاجوا إلى شيءٍ من التأويل ، وقالوا بأنَّ المراد من المقام شيءٌ آخر ينسجم مع كون الله سبحانه وتعالى لامكان له .
أقول : إنَّ هذا التأويل لا حاجة له في الأساس ؛ إذ لا يتعيّن ابتداءً أنَّ المقام هو المكان الحسّي أو المادّي ، ولعلّ استعمالات المقام في القرآن كلّها في المقام المعنوي لا المادّي ، كقوله تعالى : فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا « 2 » فليس المراد القيام مقامهما بمكانهما المادّي ، وإنَّما المراد أنَّهما يعملان عملهما ويتكفّلان مسؤوليّتهما ، وهو المقام المعنوي . ونحوه قوله تعالى : إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ « 3 » فليس المراد منه مكانه المادّي أو الحسّي ، كما لا يخفى .
والمقام في اصطلاح أهل المعرفة « 4 » يمثّل بعض درجات الكمال ، فكلّ درجةٍ في الكمال هي مقامٌ ، وعليه يحمل قوله تعالى : وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ « 5 »
هامش
( 1 ) أُنظر : الجامع لأحكام القرآن 207 : 20 - 208 ، تفسير سورة النازعات ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 237 : 15 ، تفسير سورة النازعات ، وغيرهما .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 107 .
( 3 ) سورة يونس ، الآية : 71 .
( 4 ) راجع ما أفاده المحقّق عبد الرزّاق القاساني في شرح مقدّمة منازل السائرين : 15 - 32 ، وسر إليها وتحقّق بها ، والله الهادي .
( 5 ) سورة الصافات ، الآية : 164 .