دليلٍ خارجي أنَّ الطغيان وحده يكون موجباً لدخول الجحيم ، لكن هذا من مقدّمةٍ خارجيّةٍ لا من ظاهر الآية . لكنّ الوصفين ( الطغيان وإيثار الحياة الدنيا ) متلازمان غالباً ؛ لأنَّ كلّ من طغى فقد آثر الحياة الدنيا ، وكلّ من آثر الحياة الدنيا فقد طغى غالباً .
والمهمّ أنَّ الطاغي أو المؤثر للحياة الدنيا يستحقّ من الجحيم بدرجة طغيانه وإيثاره الحياة الدنيا ؛ لأنَّ الطغيان وإيثار الحياة الدنيا مفهومان مشكّكان لهما درجاتٌ مختلفةٌ .
وهنا يرد سؤال مفاده : لماذا دمج بين الطغيان وإيثار الحياة الدنيا ؟
وجوابه : من الواضح أنَّ إيثار الحياة الدنيا ملحوظاً وحده وبعنوانه التفصيلي ليس جريمةً يستحقّ عليها العقاب ، وإنَّما يكون ذلك جريمةً وذنباً في طول وجود الشريعة ، أي : بعد أن هدانا الله ورسوله للأعمال الموصلة للآخرة ، وأنَّها هي الخير وهي الحيوان ، فيكون إيثار الحياة الدنيا دالًا بالملازمة على ترك تلك الأعمال ، ومن ثُمَّ عصيان الشريعة الإلهيّة .
فإن قلت : إنَّنا فسّرنا الحياة الدنيا سابقاً بحياة الشهوات ، والشهوات باطلةٌ على كلّ حالٍ ، حتّى مع غضّ النظر عن الشريعة .
قلنا : لا يصدق العصيان إلّا في طول الشريعة وحصول أوامرها ونواهيها ، وأمّا إذا لم تكن هناك شريعةٌ فلا عصيان ، وتكون من السالبة بانتفاء الموضوع .
فإن قلت : إنَّ العقل العملي له تعاليم في التحسين والتقبيح ، وعصيانه يؤدّي إلى الهلاك ، وكذلك مجتمع العقلاء له موازين معتبرةٌ ولطيفةٌ ، فلابدّ من الالتزام بها ، وإلّا سيتحقّق العصيان .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 399
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٩٩