قلنا : إنَّ كلّ هذه الأُمور مع عدم وجود الشريعة لا توصل إلى عذاب الآخرة ، وإنَّما الذي يوصل إلى الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى هو عصيان الشريعة الإلهيّة .
وكذلك من الجانب الآخر نستطيع القول : إنَّه مع وجود الشريعة لا أهمّيّة للعقل والعقلاء ، وإنَّما المهم هو الشريعة ، وضمّ أحدهما إلى الآخر كضمّ الحجر إلى الإنسان ، فهل يكفي مثلًا في شخصٍ تابعٍ لحكم العقلاء وهو عاصٍ للشريعة أن نحكم بنجاته من العذاب ؟ كلا .
وعلى أيّ حالٍ كان لابدّ من الدمج والعطف بين الطغيان وإيثار الحياة الدنيا ، فهذا بمجموعه يكون موجباً لدخول الجحيم ؛ لأنَّ الطغيان يساوق الذنب ، بل يدلّ عليه بالمطابقة ، وأمّا إيثار الحياة الدنيا فدالٌّ على الذنب بالالتزام ، ومع اجتماعهما تكون العقوبة أوضح وأكثر استحقاقاً .
* * * * قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى :
يُستفاد من بعض المصادر « 1 » : أنَّ ( المقام ) مصدرٌ ميمي ، أو اسم زمانٍ أو مكانٍ ، وجميع ذلك محتملٌ في الآية ، كما سيأتي ، كما أنَّ إضافة ( الربّ ) إليه يمكن أن تكون بمعنى إضافة الفاعل أو إضافة المفعول ، فتكون هناك ستّة احتمالاتٍ نذكرها لاحقاً ، مضافاً إلى أنَّ معنى ( الربّ ) يختلف عن اسم الجلالة ( الله ) ويمكن أن نفسّره بمعانٍ أُخرى على نحو الأُطروحات ، فتزداد الاحتمالات في تفسير الآية .
هامش
( 1 ) أُنظر : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 114 : 14 ، تفسير سورة الرحمن ، وغيره .