فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ، والفاء واقعةٌ في جواب الشرط ، والمعنى يؤيّد ذلك ، وكأنَّه يقول : إذا طغى وآثر الحياة الدنيا فإنَّ الجحيم هي المأوى ، مضافاً إلى أنَّ الفاء لا تدخل على الخبر .
و ( أمّا ) حرف تفصيلٍ ، والآية الكريمة واضحةٌ في التفصيل بين الفئتين بين من طغى وآثر الحياة الدنيا ، وبين من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى .
فإن قلت : إنَّ شرط الجملة الشرطيّة يجب أن يكون جملةً بالمعنى النحوي : إمّا فعليّةً أو اسميّةً ، أو يكون معنىً تصديقيّاً بالمعنى الأُصولي والمنطقي ، أي : نسبةً تامّةً تصديقيّةً ، كما في قولنا : إذا طلعت الشمس فالنهار موجودٌ ، فطلعت الشمس هي جملة الشرط ، وهي جملةٌ تامّةٌ ومعنى تصديقي . ويُلاحظ : أنَّ الآية لا يوجد فيها نسبةٌ تامّةٌ أو جملةٌ تامّةٌ في جانب الشرط ، وإنَّما توجد فيها نسبةٌ ناقصةٌ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فبعضها قيودٌ للبعض الآخر ، وجميعها نسبٌ ناقصةٌ ، فالشرط يصبح مفهوماً تصوّريّاً ، ولا يوجد فيه نسبةٌ تصديقيّةٌ ، فلا يصلح أن يقع شرطاً في الجملة الشرطيّة ، فالأَولى إذن أن نعربه مبتدأً ، ويكون الحقّ مع ما قاله العكبري آنفاً .
قلنا : جواب ذلك من وجهين :
الوجه الأوّل : أنَّ دخول الفاء على الجملة المتأخّرة ينافي كونها خبراً ، وهذا قرينةٌ متّصلةٌ على كون الجملة جزاء شرطٍ لا خبراً .
الوجه الثاني : أنَّهم قالوا في القواعد العربية : إنَّ ( مَنْ ) تأتي شرطيّةً ، كما في قوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ « 1 » ، وفي الآية قال : فَأَمَّا مَنْ طَغَى . . . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ، ف - ( مَنْ ) الشرطيّة يبدو أنَّها لا تأخذ الفاء في جوابها ، إذن
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 123 .