أخذ الفضل واختصّ به ، فيكون الفضل مؤثّراً بالنسبة إليه ، فيرجع معنى الفضل إلى الأثر .
ثُمَّ إنَّنا نلاحظ أنَّ القرآن دائماً يذكر ( الحياة الدنيا ) ولم يقل : ( الدنيا ) مجرّدةً عن الحياة ، والتعبير بالحياة الدنيا له عدّة تخريجات ، منها : أنَّها الحياة الأقرب إلى إحساسنا ومعيشتنا ، فهي أدنى أي : أقرب ، والآخرة أبعد . ومنها : أنَّها الحياة المتدنيّة بالشرف والكمال إلى حدّ السفالة ، وهي عالم الشهوات والعصيان والذنوب والقصور والتقصير .
والظاهر : أنَّ هذا المعنى الثاني هو المقصود ؛ لأنَّه لو كان الأوّل مقصوداً لأصبحت الآخرة دنيا ، فالدنيا الآن مثلًا قريبة إلى الإنسان ، فتكون هذه دنيا ؛ لأنها قريبةٌ ، فإذا ذهب إلى الآخرة تصبح الآخرة قريبةً ، فتكون دنيا ؛ لأنَّها أقرب . ومعنى ذلك : أنَّ لفظ ( الدنيا ) موضوعٌ لهذا العالم فقط ، أي : إنَّه لا يشترك مع الآخرة .
والحياة الدنيا بطبعها العامّ متدنيّةٌ في الشرف والكمال ؛ لأنَّها مخلوطةٌ بالشهوات والذنوب ، وإن كان هذا العالم بالدقّة يتحمّل كثيراً من المستويات ، فليس كلّ من عاش في الدنيا فهو من أهل الدنيا أو ممّن أحبّها وآثرها ؛ لوضوح وجود المعصومين والأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) فيها . وحينئذٍ لابدّ أن يكون المقصود من الحياة الدنيا هو خصوص دنيا الذنوب والشهوات ، أي : النظر إلى هذه النشأة من هذه الزاوية ، فتكون هي الحياة الدنيا ، فإذا تكامل الفرد وخرج من ذنوبه وعيوبه وشهواته ، فقد خرج من الحياة الدنيا إلى الحياة الفضلى ، وهو في هذا العالم وفي هذه الأرض .
ومعه فإيثار الحياة الدنيا يكون بإيثار وتفضيل الشهوات والملذّات
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 393
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٩٣