وبالعودة إلى قوله تعالى : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى فإن قرأت ( بَرَزت الجحيم ) فالجحيم هي الفاعل ، وإن قرأت : ( بُرّزت الجحيم ) فالجحيم نائب فاعلٍ ، ومعنى ذلك أنَّ فاعلها مجهولٌ في الآية الكريمة . فمن هو الفاعل ؟ ومن المؤكّد أنَّ السؤال هنا عن الأسباب ، وإلّا فإنَّ الله تعالى هو الفاعل الحقيقي ، وهو مسبّب الأسباب .
وإذا نظرنا إلى الأسباب فالفاعل يختلف بالنسبة إلى اختلاف تفسير الجحيم ، فإذا كانت الجحيم هي جهنّم كما هو المشهور ، فالمبرز لها هم الملائكة الموكّلون بها ، كما تنصّ على ذلك بعض الروايات « 1 » ، وكذلك إذا كان إبراز جهنّم بزيادة حرارتها وعذابها . وإذا فسّرنا الجحيم بالبلاء الدنيوي ، فإنَّ البشر أنفسهم يكونون أسباباً لإحداث البلاء لبعضهم البعض ، فالذي يكون سبباً لحدوث البلاء يكون هو المبرز للجحيم بهذا المعنى .
* * * * قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى :
أقول : سبق منّا تفسير الطغيان في قوله تعالى : اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى « 2 » ، وقد فسّره الراغب « 3 » بأنَّه تجاوز الحدّ في العصيان ؛ حيث يتوهّم أنَّ للعصيان حدّاً غالبياً للناس ، فإذا تجاوزه كان الفرد طاغياً .
أقول : وهذا الفهم العرفي ممنوعٌ شرعاً ؛ لأنَّ المطلوب من كلّ فردٍ على
هامش
( 1 ) راجع الأحاديث والأخبار الواردة في باب حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم وأطوارهم من بحار الأنوار 144 : 56 - 245 .
( 2 ) سورة النازعات ، الآية : 17 .
( 3 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 314 ، مادّة طغي .