إلَّا أنَّ ظواهر الكتاب والسنّة تؤكّد على أنَّهما مخلوقتان .
أقول : وهذا استدلالٌ منه على الذين ينكرون خلق النار والجنّة قبل يوم القيامة ، وهو معنىً لطيفٌ ما لم نفهم من معنى البروز الخروج من كتم العدم إلى نور الوجود ، أو ما يعمّ الإثبات والثبوت . فالثبوت عبارةٌ عن الوجود بعد العدم ، والإثبات الكشف والرؤية ، فلا تكون الآية دالّةً على ما قاله ، بالرغم من أنَّنا نؤمن بأنَّها مخلوقةٌ قبل يوم القيامة ؛ لأنَّ الآية تكون بمعنى : ( وجدت الجحيم لمن يرى ) . وبالإمكان أن نفهم من الجحيم معانٍ أُخرى ؛ فإنَّها وإن كانت من أسماء جهنّم ، لكن لا يتعيّن فيها دائماً .
فقد يُراد بالجحيم البلاء الدنيوي الظاهري أو الباطني الشخصي أو الاجتماعي ، فتعني أنَّ شخصاً أدخله الله في جحيم الدنيا ، أي : في بلاء الدنيا ، ويُقال : إنَّ فلاناً في جحيمٍ ، أي : في صعوبةٍ شديدةٍ وبلاءٍ شديدٍ .
أو يُراد بالجحيم ظهور نقص الإنسان : كجهله أو غفلته ، والنقص بهذا المعنى جحيمٌ ، فيعرف الإنسان كونه جاهلًا أو غبيّاً أو فاسقاً ونحو ذلك .
كما يمكن أن يكون الجحيم تعبيراً عن أيّ متسلّطٍ ، كالأب أو رئيس العشيرة أو المجتمع ، فقد يكون في أوّل أمره متسامحاً لمن يحكمه ويطيعه ، ثُمَّ يظهر طبيعته النفسيّة الحقيقيّة من القسوة والتسلّط وغيره .
فإن قلت : كيف يمكن الحمل على هذه المعاني مع وجود قرينةٍ متّصلةٍ تخصّه بمعنى جهنّم الأُخرويّة ، وهي قوله بعد ذلك : فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى « 1 » ؟
قلنا : الأمر ليس كذلك ؛ إذ بالإمكان أن نحمل كلا اللفظين على كلّ
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآية : 39 .