تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
( وهو الشخص الأغطش ) وهو الذي في عينيه شبه عمشٍ « 1 » . ومنه قيل : فلاة غطشى ، لا يُهتدى فيها ، والتغاطش التعامي عن الشيء « 2 » . أقول : المراد : أنَّ الليل يصبح بحيث لا يرى فيه شيء من شدّة ظلامه ، وهو مبالغةٌ في شدّة الظلمة ؛ لأنَّ الليل الطبيعي ليس كذلك ؛ فإنَّ النجوم أو القمر عندما يكون موجوداً توجد رؤيةٌ للأشياء بشكلٍ محدودٍ ، ولكن شدّة الظلمة ليست حالةً غالبةً على وجه الكرة الأرضيّة . ف - ( أغطش ) بهذا المعنى : إمّا أن نفهم منها مطلق الإظلام الذي يمنع من الرؤية جزئيّاً ، أو نقول : إنَّه يعني الإظلام الشديد ، فيكون بمعنى المبالغة ، وليس أنَّه فعلًا هكذا . لكن الظاهر هو المعنى الأوّل بمعنى : أنَّه حجب فيه الرؤية بشكلٍ قليلٍ . وهناك أُطروحةٌ أُخرى في فهم الآية الكريمة ، وهي أن تكون ( أغطش ) بمعنى ( أزال ) ، يعني : أزال ليلها وأخرج ضحاها . وهذا يحتاج إلى تقريب ذهني لغوي ، فنقول : إنَّ أصل ( أغطش ) من الغطاء ، وتكون الشين زائدةً ، كما نقول : غططت في الماء أو في التراب ، فلم يقل في الآية : ( أغط ) بل قال : ( أغطش ) ؛ توصّلًا إلى نحوٍ من الفصاحة ، أي : جعل عليه الغطاء ، وهذا المعنى لم يأت جزافاً ، وإنَّما هو مأخوذٌ من الغشاء الذي هو بمعنى الغطاء . فمن التركيب بين هاتين المادّتين ( الغطاء والغشاء ) تحصل هذه المادّة الثالثة ( أغطش ) ، ومن ذلك كان معناها في اللغة العجز عن النظر ، أي : غطّي نظره أو زال نظره . ونحن نقول مثلًا : ( غطّ في الماء ) إذا دخل فيه ، وغطّ في نومه إذا دخل فيه وانقطع عن الإحساس بواقعه الخارجي ، فيكون غطش هو الفصيح .
هامش
( 1 ) فأشدّها الأعمى ، وأقلّ منه الأعمش ، وأقلّ منه الأغطش منهقدس سره . ( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 374 ، مادّة غطش .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 366 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر