تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
الذي تقتضيه الحكمة . أقول : ومنه تسوية الأرض وإزالة المرتفعات والمنخفضات منها ؛ وذلك بهدف الزراعة أو البناء ، إلّا أنَّ الأصل هو التساوي ، فنفهم من التسوية معنى التساوي بين الأجزاء . وهذه أُطروحةٌ أُخرى . أو نفهم من التسوية أصل الخلق ، فإذا نسب إلى الله كان بمعنى الخلق والإيجاد ، وحسب هذا الفهم يكون منه قوله تعالى : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا « 1 » أي : خلقها ، وكذلك قوله تعالى : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 2 » أي : خلقته . إلّا أنَّ هناك إشكالًا يرد على هذا الفهم ، وهو العطف بالفاء رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ، والفاء ظاهرةٌ في الترتيب ؛ فإنَّ أصل الخلق أسبق زماناً ورتبةً من الرفع ، بمعنى : أنَّه سوّاها فرفع سمكها ، وليس العكس ، كما تنصّ الآية الكريمة . وبتعبيرٍ آخر : أنَّه قدّم الصفة على الموصوف ؛ لأنَّ ( سوّاها ) بمعنى أوجدها ، فهو موصوفٌ ، ثُمَّ رفع سمكها الذي هو صفةٌ للسماء . وجواب ذلك من عدّة وجوهٍ : الوجه الأوّل : أنَّ هذا الإشكال يأتي على كلّ الأُطروحات في معنى التسوية ؛ لأنَّها ليست متأخّرةً عن الرفع زماناً ، بل يحدثان سويّةً على كلّ تقديرٍ . الوجه الثاني : أنَّ الفاء هنا مستعملةٌ بمعنى الواو ؛ لأنَّنا قلنا : إنَّ الحروف تُستعمل في محلّ بعضها البعض مجازاً أو حقيقةً ، فالفاء هنا للعطف فقط . الوجه الثالث : توجد هنا - ولو بنحو الأُطروحة - قراءةٌ بالواو يرتفع معها الإشكال ، والسياق اللفظي القرآني لا ينافي العطف بالواو .
هامش
( 1 ) سورة الشمس ، الآية : 7 . ( 2 ) سورة الحجر ، الآية : 29 .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 364 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر