الوجه الرابع : أنَّ ذلك من الترتيب المقلوب ، وهو مستعملٌ في اللغة ، وأوضح أمثلته قولنا : أدخلت الخاتم في إصبعي ، والواقع أنَّ إصبعي دخل في الخاتم ، فهناك نسبٌ تُلحظ مقلوبةً ، فيكون المراد هنا : سوّاها فرفع سمكها .
أمّا إذا قلنا بالتسوية بالمعنى الآخر - وهو الترتيب والتنظيم وفق الحكمة - فلا بأس أن يكون قد وجدت السماء غير مرتّبةٍ بمعنىً من المعاني ، ثُمَّ رتّبت ونظّمت بحسب الحكمة ، فرفع سمكها أي : خلقها وجعلها ضخمةً جدّاً ، ثُمَّ رتّبها ونظّمها بحسب ما تقتضيه الحكمة .
وعلى أيٍ حالٍ فقد عرفنا أنَّ للتسوية معنيين : الأوّل : من التساوي ، وهو جعل النسبة الأفضل بين الأجزاء ، كرفع المنخفضات والمرتفعات من الأرض ، أو جعل النسبة مطابقةً للحكمة بالنسبة إلى الكواكب والنجوم ، أو نسبةً مطابقةً للحكمة بالنسبة إلى الجسم ، أو نسبةً مطابقةً للحكمة بالنسبة إلى النفس .
والمعنى الثاني : هو أصل الإيجاد والخلق . وبالإمكان إرجاع أحدهما إلى الآخر : إمّا بإرجاع المعنى الأوّل إلى الثاني ، أي : إنَّ أصله هو الخلق والإيجاد ، ولكن سمّي بالمعنى الأوّل تسويةً ، كأنَّ الشيء إذا وجد غير مرتّبٍ ومنظّمٍ فهو غير موجودٍ ، فإذا سُوّي ونُظّم يكون قد وُجد لأوّل مرّةٍ ، فلذا سُمّي بالتسوية ، فكأنَّما وجد على نحو المجاز أوّلًا ، ثُمَّ اكتسب ثوب الحقيقة . أو بالعكس بمعنى : أنَّ التسوية بالمعنى الثاني راجعةٌ إلى المعنى الأوّل - والمعنى الأوّل هو الأصل - وهو المساواة ؛ لأنَّ المساواة هي الأصل ؛ لأنَّها الأشهر في لغة الناس .
* * * * قوله تعالى : وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا :
قال الراغب : وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ، أي : جعله مظلماً ، وأصله من الأغطش
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 365
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٦٥