وكذلك خلقها مباشرةً ؛ لأنَّنا لو نسبنا الفعل السببي إلى الفعل الإلهي لكان الأوّل فانياً ، فالفعل السببي لا يُلحظ أصلًا تجاه الفعل الإلهي .
الوجه الرابع : أنَّ الإشكال إنَّما يرد لو كان المراد من الأيدي الأسباب ، وأمّا إذا كان المراد بها القوّة ، فهذا إشارةٌ إلى قوّة الله سبحانه وقدرته ، فتّتفق الآيتان بدون تعارضٍ ، وتكون النسبة فيهما معاً إلى الله مباشرةً .
لا يُقال : إنَّ البناء إنَّما يصدق على السبب ، ولا يصدق على مسبّب الأسباب ؛ لأنَّ البناء دائماً من الأسباب ، لا مسبّب الأسباب .
لأنَّه يُقال : إنَّ ذلك تفكير العاجز ؛ لأنَّ البناء يناسب كلا النحوين من أنحاء الإيجاد والإبداع الدفعي فضلًا عن الخلق التدريجي ، فكلّ ذلك نحوٌ من البناء ، ونسبة ذلك إلى الله سبحانه لا إشكال فيها . مضافاً إلى إمكان أن يُراد بالبناء الإشارة إلى الأسباب ، فحينما يقول : أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا أي : بأسبابها ، وإن نسب البناء إلى الله في ظاهر الآية ؛ وهذا لأجل التنبيه على عدم أهمّيّة تلك الأسباب بإزاء عمله وتأثيره سبحانه وتعالى ، فكلتا الآيتين تشير إلى الأسباب ، ولا تعارض بينهما .
* * * * قوله تعالى : رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا :
أمّا مادّة ( السمك ) فقال الراغب : السمك سمك البيت ، وقد سمكه أي : رفعه . قال : رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا « 1 » . وقال الشاعر :
إنَّ الذي سمك السماء بنا لنا * بيتاً دعائمه أعزُّ وأطول
« 2 »
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآية : 28 .
( 2 ) البيت للفرزدق ، أُنظر : الأغاني 214 : 20 ، أخبار سلمة بن عياش .