والقصور معروفٌ عرفاً ، وهو عملٌ يؤدّي إلى وجود هذه الأُمور بعد عدمها ، فيكون المراد من بنائها إيجاد السماء : إمّا دفعةً بمعنى الإبداع المجموعي ، أو تدريجاً ، والتدريجية موجودةٌ في بناء السماء ومنصوص عليها في القرآن . قال : وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ « 1 » أي : مكثرون حجم السماء ، وأنتم تقرؤون في الكتب التي تحمّل النظريّات الدينيّة على النظريّات العلميّة أنَّ ( موسعون ) معناها أن تتّسع نفس موجوداتها ، كأن تتباعد المجرّات والموجودات السماويّة ، ولكن نحن نفهم أنَّ ( موسعون ) تعني الزيادة .
ونفس مادّة البناء مستعملةٌ في الآيتين : أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ والمراد من ( أيدٍ ) : إمّا القوة وإمّا الواسطة السببيّة ، فيد الله هي أسبابه ، فالواسطة السببيّة تكون بمنزلة اليد في خلقه وإنشائه ، وهذا المعنى غير مشارٍ إليه في الآية التي نتحدّث عنها ، وإنَّما ذكر البناء فقط .
وما زال البحث في قوله تعالى : أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا وقوله تعالى : بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ .
والمراد باليد في هذه الآية إمّا القوّة أو الأسباب التي شاء الله أن تكون أسباباً لوجود السماء . وفي الآية المبحوث عنها في المقام - أي : قوله : السَّمَاءُ بَنَاهَا - لا يذكر الأيدي أو الأسباب ، ومن هنا قد يتصوّر الإنسان بدويّاً نحواً من التعارض بين الآيتين ، فإحداهما تقول : إنَّ الله خلق السماء بالأسباب التي هي الأيدي ، والأُخرى تقول : إنَّها خلقت مباشرةً ( السماء بناها ) . وهذا التعارض يمكن رفعه بأحد وجوهٍ :
الوجه الأوّل : أنَّ قوله : السَّمَاءُ بَنَاهَا مجملٌ ، وليس فيه إطلاقٌ لنفهم
هامش
( 1 ) سورة الذاريات ، الآية : 47 .