تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
منها المباشرة ، بمعنى : أنَّ الفعل منسوبٌ إلى الله بدون أسبابٍ ، بل هي تقرّر أنَّ الله بناها في الجملة ، أمّا كيف خلقها ؟ بأسبابٍ أو بدون أسبابٍ ؟ فهذا لم تتعرّض له الآية ، بل هي تتعرّض باختصارٍ لأصل وجود السماء . الوجه الثاني : لو تنزّلنا عن الوجه الأوّل وسلّمنا بإطلاق الآية ، ففي الإمكان تقييدها بالآية الأُخرى ، ولا تعارض بين المطلق والمقيّد ، فالآية الثانية قرينةٌ منفصلةٌ على فهم الآية الأُولى . الوجه الثالث : أنَّه ثبت في الفلسفة وعلم الكلام عدم وجود المنافاة بين الفعل والتأثير الإلهي من ناحيةٍ والفعل والتأثير السببي من ناحيةٍ أُخرى . فكلاهما صادقٌ وصحيحٌ ونافذٌ خارجاً ، والقرآن نسب كثيراً من الأشياء إلى الله سبحانه وتعالى ، ونسبها أيضاً إلى الأسباب ، والقرآن صادقٌ في كلا النسبتين ، مع الالتفات إلى أنَّ الله سبحانه لا يحتاج إلى الأسباب ، وإنَّما جعلها لحكمة الحجاب . قال بعض أهل المعرفة : إنَّ الله تعالى جعل أسباب الموت من المرض والقتل والغرق والحرق لأجل حجب ملك الموت ؛ لكي يفهم الناس أنَّ الأسباب هي التي تقتل ، لا ملك الموت ، حتّى لا يذكرون ملك الموت بسوءٍ مثلًا . وهكذا بالنسبة إلى الله تعالى ، فلأجل رحمته بالناس صاروا يقولون : إنَّ الأسباب هي التي أفقرت وهي التي أمرضت وهي التي أماتت ، فتكون الأسباب حجاباً بين الله وبين خلقه . والنسبة العرفيّة إنَّما هي للأسباب ، وإلّا فالله هو الفاعل الحقيقي والأصلي في الوجود ، وبدون الفعل الإلهي فالأسباب قاصرةٌ تماماً عن التأثير ، فالأسباب هي التي تحتاج إلى قدرة الله سبحانه ، لا أنَّه هو محتاجٌ إليها . وعلى أيّ حالٍ فالآيتان كلاهما صادقتان ، فالله خلق السماء بالأسباب ،