تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
المعلوم أنَّ الخطاب في قوله تعالى : أَأَنْتُمْ لا يُراد به تلك الروح العليا ، بل هو موجّهٌ إلى ظاهر البشريّة المحجوبة عن تلك الروح ، ومنه تكون السماء وسكّانها أعلى وأهمّ من المستوى الظاهري للوجود البشري . المستوى الثالث : أنَّ الخطاب في الآية ليس للمسلمين أو المرتفعين في درجات اليقين ، بل هو للكفار والمكذّبين ، وهم بطبيعتهم يكونون محجوبين عن الروح العليا ، ولا تخطر في بالهم إطلاقاً ، بل لا يعتقدون بوجودها أصلًا ، فيقولون : إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا « 1 » ، وإنَّ الإنسان إنَّما هو جسدٌ بلا روحٍ ، فالآية تخاطبهم بمقدار ما يعتقدون . المستوى الرابع : كأنَّ الإشكال نشأ من أنَّ خلق السماء أصعب أم خلق الإنسان أصعب ؟ وفي هذا المستوى نريد أنَّ نفسّر ( الأشدّ ) بمعنىً آخر يرتفع معه الإشكال ، فنقول : ليس المراد من الأشدّ الأصعب في عمليّة الخلق ، بل المراد الخلق الشديد القوي في نفسه ، كما نقول : زيد أقوى من عمرو ، وليس مرادنا في عمليّة خلقه ، بل قوّته في نفسه . ومن المعلوم أنَّ السماء أقوى من الإنسان بكثيرٍ ؛ لأنَّ حياته تتوقّف على وجود السماء أساساً ؛ لما فيها من شمسٍ وقمرٍ ونحوها من الهواء والمطر وغيرها من الظواهر السماويّة . وبتعبيرٍ آخر : الإنسان محتاجٌ إلى السماء ، وليس السماء محتاجةً إلى الإنسان ، ويلزم من عدم السماء عدم البشريّة في هذه النشأة ، فهذا المقدار من القوّة كافٍ في أشدّيّة السماء من الإنسان . المستوى الخامس : أن لا نفهم من السماء السماء الظاهريّة ، بل السماء الباطنيّة ؛ فإنَّ النفس لها أرضٌ وسماءٌ ، وسماء النفس هي تلك الروح العليا ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 29 وسورة المؤمنون ، الآية : 37 .