قوله : « فلا يخافن إلّا ذنبه » « 1 » . أو أن يخشى الشقاء الذي يُراد به ابتناء الدنيا على الذنوب ، كما يقول الإمام السجّاد ( ع ) : « أللشقاء ولدتني أُمّي أم للعناء ربّتني » « 2 » ، أي : الدنيا التي تكون مملوءةً بالذنوب والتي تكون منتجةً للعقوبة ، ويُراد به انضمام شرّ الدنيا إلى شرّ الآخرة .
وعندما نقول : إنَّ الطرف المحذوف ممكنٌ تقديره بأيّ شيءٍ ، فإنَّنا نقصد الأُمور التي تناسب سياق الآيات الكريمة ، وليس بأيّ شيءٍ مطلقاً ، كما لو كان يخشى لدغة العقرب وعضّة الحيّة ، بل يخشى الآخرة ومن هو خالق الآخرة .
وإلى هنا تكون العبرة قد حصلت في الكلام القرآني في هذه السورة لأُولئك المذكورين في أوّل السورة ، وهم الذين لهم قلوبٌ يومئذٍ واجفةٌ ، أبصارهم خاشعةٌ ، يقولون : أئنّا لمردودون في الحافرة ؛ فإنَّهم على أيّ حالٍ ليسوا أهمّ من فرعون ولا أقوى ولا أشهر منه ، فإن كان الله قد أخذ فرعون بنكال الدنيا والآخرة ، فكيف لا يأخذ هؤلاء كذلك وهم ليسوا أقوى وأهمّ من فرعون إلّا إذا تابوا وأخلصوا ؟ !
ثُمَّ يأتي سياقٌ آخر لتأييد نفس هذه الفكرة ، فتتصدّى السورة لذكر آيات الله سبحانه المرئيّة في هذه الدنيا ، وأنَّ من خلق هذه الآيات لا يعجزه أن يخلق الآخرة والعذاب ، وأن يثيب في الجنّة ، ويعاقب في جهنّم . ومن هنا ينقسم الناس قسمين : فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 482 ، الحكمة 82 ، الخصال 315 : 1 ، باب الخمسة ، الحديث 96 ، الإرشاد 297 : 1 ، وتحف العقول : 218 .
( 2 ) بحار الأنوار 143 : 91 ، أبواب الدعاء ، الباب 32 ، المناجاة الثالثة .