المعنوي ، يعبّر به السامع أو المعتبر والمتّعظ من حالٍ إلى حالٍ : إمّا عقليّاً أو نفسيّاً أو روحيّاً ، فالعبرة تنتج الكشف الصوري ، فبينما كنت أرى الدنيا أصبحت أرى شيئاً يكشفه الله لي . وكلّ انتقالٍ من حالٍ إلى حالٍ هو عبرةٌ بمعنىً من المعاني ، فالسبب الذي هو العبرة والموعظة كأنَّما يُسمّى عبرةً أيضاً .
وأمّا الخشية التي مادة ( يخشى ) ، فقد عرفنا أكثر من مرّةٍ أنَّها نوعٌ من الخوف يخالطه هيبةٌ وتوجّسٌ ، فإذا كان الإنسان يخاف شيئاً من أجل أن يهابه ويتوجّس منه فهو يخشاه . قال : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ « 1 » .
والمهمّ : أنَّ الخشية معنىً إضافي يحتاج إلى طرفين ، وأحدهما موجودٌ في الآية باسم الموصول ( لمن يخشى ) ، والطرف الآخر محذوفٌ ، وقد حاول السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) أن يصوّر المعنى بأنَّه غير إضافي ، ولا يحتاج إلى طرفٍ آخر « 2 » ، بمعنى : أنَّ ذلك لعبرة لمن كان له خشيةٌ وغريزة أن يخشى ، أي : لديه طبيعة الخوف ، فالإنسان من غريزته ذلك ، فيكون المعنى عامّاً لكلّ إنسانٍ . وهي أُطروحةٌ حسنةٌ ، إلّا أنَّها لا تنافي ضرورة تقدير المفعول ، أي : المخوف منه أو المخشي منه ، فإنَّ قدّرناه لم تبقّ حاجةٌ إلى أن ننظر إلى كون الخشية غريزةً أم لا ؟ بل نقول : إنَّه يخشى شيئاً مّا ، كأن يخشى الله أو يخشى ذنبه . والمفعول المقدّر يختلف باختلاف فهم الفرد ، فقد نقول : إنَّه يخشى الله سبحانه وتعالى ، وقد نقول : إنَّه يخشى العقاب الأُخروي أو مطلق العقاب ، أو يخشى غضب الله سبحانه ، أو يخشى ذنوبه . وإليه الإشارة بما روي عن أمير المؤمنين ( ع ) من
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 28 .
( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 189 : 20 ، تفسير سورة النازعات .