فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ، أي : عبرةً في هذا النكال والعقوبة التي نزلت عليه .
أفاد الراغب : أنَّ أصل العبر تجاوزٌ من حالٍ إلى حالٍ .
( وعبرة واحدة العبور ، من قبيل تمرة تمور ) . فأمّا العبور فيختصّ بتجاوز الماء : إمّا بسباحةٍ أو في سفينةٍ أو على بعيرٍ أو قنطرةٍ . واشتقّ منه عبر العين للدمع ، والعبرة كالدمعة ( لأنَّ الدمع ماءٌ ، وعبور الماء يشبه عبور البكاء ، وربما يستفاد منه أيضاً أنَّه انتقالٌ من حالٍ إلى حالٍ ، أي : من حال الهدوء إلى حال البكاء ، وهو عبورٌ معنوي ) . قال تعالى : إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ « 1 » أي : يعبر من مكان إلى مكان ، وناقة عُبُر أسفارٍ ، أي : ناقةٌ ممكنٌ استخدامها في الأسفار الطويلة ، وعبر القوم إذا ماتوا ، أي : عبروا من الدنيا إلى الآخرة « 2 » .
وأضيف هنا : عبر أي : غفا في النوم ، أي : عبر من عالم الدنيا إلى عالم الأحلام ، أو من عالم الإحساس إلى العالم الآخر ، وهكذا .
ثُمَّ قال : وأمّا العبارة فهي مختصّةٌ بالكلام العابر الهواء من لسان المتكلّم إلى سمع السامع « 3 » . وكذلك يمكن تبريره بنحو عبورٍ آخر ، وهو أن نقول : إنَّه عبر من حال السكوت إلى حال النطق .
ثُمَّ يعود إلى ما يرتبط بالآية فيقول : والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصّل بها في معرفة المُشاهَد إلى ما ليس بمُشاهَدٍ « 4 » ، أي : عبورٌ بالمعنى
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 43 .
( 2 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 331 ، مادّة عبر .
( 3 ) المصدر السابق .
( 4 ) المصدر السابق .