الأُولى ، ومن ثُمَّ عدم فهم الآخرة من لفظ الآخرة ، فلا الأُولى هي الدنيا ، ولا الآخرة هي دار الآخرة ، وإنَّما يفهمون شيئاً آخراً من ناحيتها اللغويّة الصرفة ، وهي الناحية الزمانيّة . وبتعبيرٍ آخر : هي إشارةٌ إلى تاريخ حياة فرعون أو إلى ذنوب فرعون المتقدّمة وذنوبه المتأخّرة ، فيكون المعنى : أنَّه أخذه الله نكال ذنوبه الأخيرة والأُولى ، وحينئذٍ يحتاج لفظ الآخرة إلى موصوفٍ مقدّرٍ ، أي : تكون وصفاً لموصوفٍ محذوفٍ . وأحسن موصوفٍ يمكن أن يكون هنا هو ذنوب فرعون ، أي : ذنوب فرعون الآخرة وذنوبه الأُولى حسب فهمهم ، وإن كان التقدير خلاف الأصل .
أمّا ما هي ذنوبه السابقة والأُولى والمتقدّمة ؟ فقد اختلفت كلماتهم في ذلك ، وقد نقل منها في تفسير « الميزان » « 1 » ثلاثة ، وكلّ قولٍ منها يصوّر قدراً جامعاً لبعض ذنوب فرعون .
القول الأوّل : القدر الجامع في ادّعاء الربوبيّة ، وكأنَّ فرعون ادّعى الربوبيّة مرّتين ، مرّةً في قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى « 2 » ومرّة في قوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي « 3 » . فالمفسّر هنا - والله العالم - يعتقد أو يتخيّل أنَّ قوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي أسبق ، أي : هو السابق ، وقوله : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى هو اللاحق والمتأخّر ، وكلاهما دعوةٌ للربوبيّة ، فأخذه الله نكال كلمته الأخيرة التي هي ذنبٌ طبعاً ، ونكال كلمته الأُولى التي هي ذنبٌ أيضاً ، فالآخرة هي قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى والأُولى هي قوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي .
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 189 : 20 ، تفسير سورة النازعات .
( 2 ) سورة النازعات ، الآية : 24 .
( 3 ) سورة القصص ، الآية : 38 .